الاثنين، 14 يوليو 2014

خَبِّرْنا خَبِّرْ عن يـافـا

خَبِّرْنا خَبِّرْ عن يـافـا





بمجرد ان تقرأ عنوان تتخلله كلمة (يافا) تتذكر قسماً لجورج حبش في احدى رسائله " قسماً ببرتقال يافا و ذكريات اللاجئين، سـنُحاسب البائعين لأرضنا والمشترين".وتتذكر أغنية الأخوين الرحباني (أذكر يوماً كنت بيافا) 


كان العنوان الذي ذكرني بجملة الحكيم رواية بعنوان (يافا تعد قهوة الصباح )، الرواية لا تتمتع بعمق في الشخصياتكروايات اليوم ،ولا بالوصف الأدبي ولا البلاغي ولا بتنوع المفردات ،ولكن لها جاذبية ما ، ربما بسبب الفكرة الجديدة التي تطرحها  مقارنة بباقي الروايات الفلسطينية فهي بعيدة كل البعد عن فكرة الحرب والنكبة والتهجير واللجوء ، تحاول الرواية وبكل بساطه أن توثق الحياة اليومية لأهل يافا في 30 و 40 القرن الماضي بشكل عام تضع مقارنة بين عائلة البيك أبو سليم وبين عائلة الناطور أبو إبراهيم ،وكيف تعيش هاتين العائلتين ومدى ارتباطهما بالمحيط ، هي عملية سرد بسيطة ولكن ممتعة ربما لأننا نجهل كيفية معيشة أهل فلسطين قبل التهجير ، يبدأ أنور حامد سؤاله من نحن ؟من يستطيع أن يمدني بمعلومات تساعدني في رسم ملامح تلك المجموعة البشرية التي سكنت يوماً ما تلك القطعة من الأرض المسماة فلسطين والتي تتفن النساء في ارتداء قلادة منحوتة لخارطتها وكأن القلادة أصبحت رمزاً للانتماء ؟


لا أريد أن اعرف من نحن من اغان تراثية حُرفت لتدخل عليها السبطانة ورائحة البارود لا أريد ان اعرف تاريخ فلسطين بدلالة أول رجل يهودي مهجر سبقه الخوف قبل ان تطأ قدمه أرض فلسطين .



من هم شعب يافا  أين ذهبت عائلات حي العجمي والمنشية وارشيد والنزهة والجبلية وهرميش.
 وبدأ أنور رحلة بحثه من خلال صفحته على الفيس بوك طالباً معاونة الأصدقاء للبحث عن أهالي يافا وحيفا و باقي المدن التي كانت يشكلون مجتمعاً راسخاً ذا ملامح واضحه ، وكان له ما أراد حين قرأ رسالة لشاب من الأردن اسمه بهاء يقيم في حي الشميساني بالعاصمة عمان ، كان حفيّد فؤاد أبن البيك أبو سليم  وبطل الرواية مع بهيّة بنت الناطور أبو إبراهيم ، خشبة الأحداث حقول البرتقال وشوارع يافا وبحرها .

صف الكشافة  في المدرسة الأميرية (يافا)


صف النجارة في المدرسة الأميرية (يافا)




سينما الحمرا في شارع جمال باشا بمدينة يا فا سنة 1937



لا تتوقع أيها القارئ أن تعجبك النهاية فالرواية ستغلق فجأة ولا زلت ترغب في أن تستمر ،كأن أنور حامد اضطر لإنهائها على عجل ،ربما أمانة النقل منعته من اضافة بعض الأحداث من مخيلته وربما أراد أن يقول أن هناك ما هو أقسى من التهجير واللجوء وأن الحب المستحيل اقسى !
لم أذق يوماً برتقال يافا ولكنه كما يُقال لا يوجد برتقال كبرتقال يافا الحزين   


موسم قطف البرتقال

الثلاثاء، 8 يوليو 2014

حلوى عاشورة




تعمدت أن اقرأ هذه الرواية قبل رواية قواعد العشق الأربعون لإليف شافاق لا أدري لماذا اختارت إليف اسم (لقيطة إستانبول ) لروايتها رغم أن الرواية لم تكن تتكلم عن آسية وحدها ، تمتلك إليف قدرة عجيبة في إعطاء كل شخصية في الرواية القدر المطلوب لتجعلها محط انتباه القارىء ، الوصف الظاهري ،الحركات التعابير العاطفية لكل شخصية دون أن تخل بتوازن الرواية ودون أن تشتت القارىء ،أول المشاهد الذي يشدك إليها مشهد المطر الذي يهطل في شوارع استانبول ويبلل شعر زليخة الأسود ، ليدخلك بعدها في مشهد الضجيج والحياة الغارق في حب استانبول ،ثم تأخذك الشوارع إلى بيت قازانجي ، بيت ملء بالنساء المتناقضات ،كل واحدة منهم تمتلك قدراً من الجنون ،بانو شكرية فريدة زليخة أم كلثوم وما-الهيفاء وطبعاً آسية ،بعد الفصل الأول والثاني والثالث من الرواية تُدرك أن الفصول معنونة بأسماء مكونة لأكله مشهورة في تركيا وفي الوطن العربي عموماً ،عاشورة وتتسائل لماذا قسمت إليف وعنونتها بمحتويات آكلة ما ؟! أكان السبب أن مصطفى الرجل الوحيد في عائلة قازانجي كان يحبها أم لأن الأكل هو الرابط بين الأتراك والأرمن غير الدم والمجازر ، أم لأن حكاية العاشورة كما في الموروث التركي هو مانتج عندما ركب سيدنا نوح السفينة مع اخيار الناس والحيوانات والطيور وقل الطعام فأمرهم بأن يجلب كلُ ما عنده إلى قدر ليكون الناتج حلوى العاشورة  ،هي رسالة للمودة والألفة والمحبة هكذا أرادت إليف في روايتها أن تجمع قصة آسية التركية  بآرمانوش الأرمنية أن تفتح الباب بين تركيا الحاضر وتركيا الماضي ، أن توصل رسالة كل طرف للأخر وهذا شيء أجزم أنها قد نجحت فيه .
لم تنكر إليف المجازر التي وقعت في حق اللأرمن وكذلك لم تعتذر عنها كتركيّة لأن ذاكرة التاريخ عند الأتراك بجزئين بين دولة عثمانية وما يسمونها حديثاً بتركيا الحديثة فذالك زمان وهذا زمان بالنسبة لهم ، فهي جسدت في شخصية آسية الفتاة التي تركل الماضي بقدميها ولا تبحث عنه ولا تسأل عما يحتويه من أحداث عكس آرمانوش الأرمينية الأصل التي تربت أن التاريخ جزء من الماضي وأنها ككل الأرمن  اصرارهم بالأرتباط بالماضي ليس من أجله او من أجل القضية  بل من أجل انفسهم فهم لا يستطيعون ان يعيشوا الحاضر إلا من خلاله .

سترى أن إليف شافاق في هذا الرواية تأخذك في رحلة تاريخية لا مثيل لها، وتارة أخرى تلعب دور المرشد السياحي لتصف لك استانبول ،وتارة أخرى تجلسك على طاولة لتذيقك أشهى المأكولات ،تغوص بك في حالة التناقض بين الشرق والغرب بين الروح والجسد  .

ستبقى مشاهد عدة راسخة في ذاكرتك بعد ان تتم هذه الرواية ،مشهد المطر وكاسات الشاي والعين الشريرة ، مجادلات مقهى كونديرا ،بانوا والسيد مُرّ،ودبوس الرمانة الذهبية،مشهد رحلة شوشان وعائلتها ،ووصفة وإعداد حلوى عاشورة وستحفظ  القواعد الذهبية لحصافة المرأة الإستانبولية وتلك العبارة التي قرأتها زليخة وعمرها تسعة عشر عاماً لتعود ابنتها لتقرأها وعمرها تسعة عشر عاماً "لا تقل إني بائس فللبؤساء قلوبٌ أيضاً "و هذه الأسطر.

كان يا مكان
كان في قديم الزمان ،في أرض ليست ببعيدة كثيراً ، عندما كان المنخل داخل القشّة، كان الحمار منادي البلدة ، وكان الجمل حلاق البلدة.. كنت أكبر سناً من أبي لذلك كنت أهز مهده عندما كنت أسمع بكاؤه ..عندما كان العالم مقلوباً رأساً على عقب، وكان الزمن دائرة تدور ، لذلك كان المستقبل أقدم من الماضي، وكان الماضي نظيفاً ونقياً مثل حبة بُذرت في الحقل حديثاً.

كان يا مكان ،في قديم الزمان ،كانت مخلوقات الله كثيرة جداً بعدد حبات القمح، وكان الكلام إثماً ، لأنك تستطيع أن تعرف مايجب ألا تتذكره ، وتستطيع أن تتذكر ما يجب ألا تقوله.



الجمعة، 27 يونيو 2014

مدرسة عثمان باشا الساقزلي

وقفنا بزنقة (درغوث باشا ) بحي باب البحر أمام باب مطلي باللون الأخضر وقد بهتت لونه بفعل الازمنة التى مرت عليه ،رغم  ذلك  شدنى للمكان وهج ما ،جذبنى لتناول المقبض والطرق على الباب حتى قبل أن ارفع رأسي لأجد لافته تحمل وصفاً للمبنى، كانت مدرسة "عثمان باشا الساقزلي " أو كما عرفت لاحقاً بعد الجلوس مع روادها بخلوة (الشيخ عمر الجنزوري) أحد علماء ليبيا الكبار.







أسُست هذه المدرسة من قبل الوالي العثماني عثمان باشا عام  1654 م  لغرض لتدريس العلوم الإسلامية في طرابلس بعد تدمير الإسبان وفرسان القديس يوحنا لكافة المرافق الحيوية للمدينة بما في ذلك المدارس الشرعية العتيقة مثل المدرسة المستنصرية التى تأسست على يد" ابن أبي الدنيا " في العصر الحفصي .

وقد حافظت مدرسة عثمان باشا حتى وقت قريب على التعليم الديني وفق نظام الحلقات في مختلف العلوم الإسلامية بشكل منتظم، كما أن المدرسين الذين تعاقبوا على التدريس فيها، كانوا من أهم علماء ليبيا الذين تخرجوا على الرعيل الأول، مما أضفى عليها طابع العراقة.

 ومن أبرز هؤلاء العلماء: محمد كامل بن مصطفى، عمر الجنزوري وعبد السلام البزنطي الذي واصل تدريس الفقه المالكي وعقيدة أهل السنة والجماعة، بالرغم من صغر المدرسة إلا أنها استطاعت أن تحافظ على الموروث العلمي والثقافي الإسلامي لطرابلس، وأن تنقله عبر الأجيال بنكهة طرابلس المغاربية، بكل ما يعنيه ذلك من أصالة تاريخ المدينة وعلو قدر علمائها.

جزء من حي باب البحر في المدينة القديمة حيث تظهر قباب مدرسة عثمان باشا في أسفل الصورة ويبدو جامع درغوث في يمين الصورة (الصورة من عشرينيات القرن العشرين).

عندما طرقنا الباب أملاً في أن يفُتح باب التاريخ لنا ، طرق أستاذ كريم مرة ومرتين وكانت الثالثة فاتحة الخير إذ فُتح الباب أخيرا من قبل  أحد حُراس ورواد هذه المدرسة الباب واستقبلنا وكأنه يعرفنا منذ زمن طويل والجالسون بأخر ساحة المدرسة يمطروننا بعبارات الاستقبال والترحيب ، ولا أجد كلمات لتصف مشاعرى   بمجرد أن وضعت قدمي على عتبة المدرسة .

كان شعوراً بالسكينة والراحة تلفت يميناً لأرى الألواح التي يُخط فيها القرآن بأنامل الصبية الصغار وفي نفس الاتجاه الغرفة التي تحوي رفات الوالي عثمان باشا و أهل بيته وقد تعرضت للنبش والتخريب ، تكفل أخي محمد أحد رواد هذه المدرسة بأخبارنا عن التخريب الذي طال المدرسة وبعض المعلومات عنها في أثناء هذه الزيارة كان هناك شيخ جليّل لم تتمكن ذاكرتي من حفظ اسمه و كان قامة في العلم والمعرفة و المعلومات الغزيرة رغم كبر سنه إلا أن عيناه كانت تُشع بالحياة جلسنا إليه وتحدثنا عن المدرسة وعن الحياة وضحكنا لطرافته .




عندما هممنا بالرحيل عطرنا الرواد ببعض المسك وأنا أسير وظلي أمامي توسع القلب قليلاً ليترك مكان لمدرسة عثمان باشا مكاناً عزيزاً ترحل إليه ذاكرتي كلما نشدت السكينة والصفاء ، وكلنا اردت أن اطرق باب التاريخ بلونه الأخضر المطفي .


هذه التدوينة مهداه إلى الصديق والأخ محمد وإلى رواد مدرسة عثمان باشا الساقزلي 


الأربعاء، 25 يونيو 2014

بورتريه دوستويفسكي

في عام 1872م أوفد (بافل تريتياكوف) صاحب معرض لصور الجاليري الشهير في موسكو ،الرسام الروسي المعروف (فاسيلي بيروف ) ليحصل على صورة زيتية لـ دوستويفسكي رغبة منه في ضمها لمجموعة صور المعرض ، لم يجلس بيروف  كعادة كل الرسامين ليرسم دوستويفسكي مستخدماً الطريقة المُعتادة في رسم البورتريه ، بل  بقي لأسبوع يتردد يومياً على بيت ديستوفسكي ويتبادل مع أطراف الحديث ويحاوره في مسائل وموضوعات جدلية ،لاستفزاز الملكات العقلية لفيدور دوستويفسكي حتى كان له ما أراد واستطاع بذكائه تصيّد تلك النظرة الحزينة الشاردة لـ دوستويفسكي ، أو هكذا  ظن كل من طالع هذه الصورة الزيتية للأديب الروسي العظيم ، نظرة حزينة تفسرها الحياة البائسة التي عاشها ديستوفسكي منذ الصغر وفقده لمن يُحب، أمه ،وأخوه ميخائيل، وابنته البكر صوفيا، وابنه الصغير الكسي ،والمرض ،والديون التي ورث اغلبها من أخيه وجفاء اقربائه ومرض زوجته الأولى ووفاتها ، ودسائس اقرانه من الادباء وتهكمهم عليّه ومرارة السجن و ألم المنفى ، لم يدركوا أن هذه النظرة هي النظرة التي تسبق كل رواية عظيمه له ، كل وصف فني دقيق لحالة إنسانية في رواياته ،تلك النظرة سبقت وصف مشهد الولادة في رواية " الشياطين" وهي نفس النظرة التي سبقت كتابة مشهد حلم راسكولنيكوف حول الحصان القتيل في رواية الجريمة والعقاب .


بورترية فاسيلي بيروف


لم يدرك  أحد أن تلك النظرة التي تصيّدها بيروف هي نظرة الإبداع ، نظرة التأمل ، نظرة الغوص في النفس البشرية ، إلا بعد أن كتبت زوجته  آنا غريغوريفنا في مذكراتها التي تحمل اسم Dostoevsky Reminiscences قصة هذه اللوحة ، وذكرت أنها كانت تلتمس هذه النظرة مراراَ وتكراراً كلما دخلت على زوجها في مكتبه وعبرت عن تلك الحالة بأنها حالة غوص في الذات تصل به لدرجة أنه لا ينتبه لدخولها وخروجها من المكتب مراراً وتكراراً ،ولا يصدق أنه لم ينتبه !
لا يضاهي هذا البورتريه  لديستوفسكي أي لوحة زيتية أخرى إلا صورة نصفية رسمها كرامسكوي  في اليوم الثاني لوفاة ديستوفسكي

قيل عن ديستوفسكي الكثير ، كتب كثيرة تناولت أدبه وحياته ،لكن آنا هي الوحيدة التي أنصفته ،لم تدري آنا وهي تكتب هذه المذكرات ،وهي التي بدأتها باعتراف أنها  لا تملك الموهبة الأدبية اللازمة ، لم تعرف بأنها تؤرخ لفترة مهمة في تاريخ روسيا الأدبي والسياسي  وأن مذكراتها أصبحت تُقرأ كمدخل للاضطلاع بالآدب الروسي من غزارة المعلومات والأسماء المذكورة فيها ، ولم تدرك وهي التي عاشت عمرها حاملة السلاح كما كان يسميها ديستوفسكي ، أنها تكتب رواية بطلها ديستوفسكي الإنسان الأديب !  






سارة علي عبدالنبي 
25/6/2014

السبت، 7 يونيو 2014

أنْ تَــــــرحَل






يتراءى لك المغرب كما صوره ابن جلول في روايته(أنَّ ترحل)  كمجموعة من الشباب يقضون وقتهم على شرفة أحد المقاهي المُطلة على البحر ، يتسامرون ويدخنون الكيّف يضيعون وقتهم في اللعب ويتحسرون على الكيلومترات الاربعة عشر التي تفصلهم عن إسبانيا الحُلم ، والحرية ، والحياة الكريمة وكأني بإسبانيا تنتظر قدومهم !!، تدور أحداث الرواية بين طنجة تلك المدينة المغاربية العصيّة عن المألوف وبرشلونة .
أحد أبطال الرواية  هو عز العرب (عازل) كما يسمونه اصدقائه ،شاب درس القانون وتخرج وبحث عن وظيفة فصدت أمامه الأبواب فقضى ايامه لاعناً لحظه ساعياً للخروج من المغرب مهما كلفه الأمر ، تُعيّله أخته الوحيدة (كنزه ).
 كنزه تعمل في التمريض بمرتب زهيدٍ ، كانت مخطوبه لأبن عمها الذي قضى غرقاً في أحدى رحلات الموت (الهجرة الغير شرعية ) لإسبانيا ،هي ايضاً تُريد الرحيّل عن طنجة وعن الذكريات تُريد أن تولد من جديد.



تفتقد الرواية لعنصر التاريخ ، يبدو إن ابن جلول أراد فقط الكتاب عن الحياة اليومية لشباب المغرب وحلم الهجرة ومأساتها ، وبما أنه يكتب للقراء الفرنسيين فقد كثر في الرواية الايحاءات والصور الجنسيّة ،فصور المغرب كماخور كبير تقطعت فيه أواصر الأخلاق والرادع الديني .على هامش الرواية بحثت عن تاريخ طنجة ولأنني تعودت على أسلوب رضوى عاشور وابراهيم نصرالله وغيرهم في دمج التاريخ بالرواية وشخصياتها أدركت أن طنجة التي يلامس البحر والمحيط احضانها ،هي نفسها التي بدأ منها  أمير المشائين  ابن بطوطة رحلته حول العالم ليقضي 27 عاماً من الترحال يرسم خلالها بورتريه لأرجاء العالم ، ويبدو أن هواء طنجة تشبع بأنفاس ابن بطوطه ليرث ابنائها وابناء المغرب حُب المغامرة والترحال بحثاً عن حياةٍ أفضل .


أربعة عشر كيلومتراً تمثل لهم ثنائية لا بد أن تمر ببالهم وكيف لا ،وكم من صديق لفظته مياه البحر على شاطئ طنجة فحملوه على اكتافهم وواره الثرى ، المسافة بين طنجة و اسبانيا هي الحد الفاصل بين الولادة او الموت ، وخلال إبحارهم والمركب مكتظ بعدد يفوق حمولته والموج محيط بهم من كل جانب  يصبون أنظارهم تارة نوح الأمواج وتارة نحو النوارس ، ويتذكرون تلك الأسطورة التي تقول إن نوارس طنجة هي التي أنبأت نوح عليه السلام وهو في سفينته بأن الأرض قريبة منه ،عندما لمح عليها آثار الطين . ويغمضون اعينهم ويتمنون ان تنطبق الاسطورة على نوارس اسبانيا  علّ الولادة تأتي بسرعة !


الأربعاء، 30 أبريل 2014

يـامـريَّم


يا مريّم رواية تدور أحداثها في يومٍ واحد ، تسمع بين أوراقها صوتين يتحدثان عن عراق الأمس وعراقِ اليوم ، يوسف و مها ، صوت الذكريات  وصوت الواقع ، يوسف الذي بلغ من العمر الثمانين والذي يقطن منزلاً بالكرادة يستضيف مها وزوجها لؤي ، مها ابنت الحاضر من هُجِرت من بيتها بسبب ديانتها المسيحية وأجهضت طفلها بسبب عمليّة انتحارية وهي نائمة في منزلها .
يوسف من أحب النخل وترجم كتاباً كاملاً يحكي عن علاقة النخل بأهل العراق  ، ورأى أن العراق والنخل تسكنهما روحٌ  واحدة ،  ما صلح النخل إلا صلح معه العراق، يوسف كَوركَيس الذي عمل في جمعيّة التمور العراقيّة  وتعرف على حُب حياته دلال ، والذي منعته ديانتها من الارتباط بها ، يوسف الذي تُلح عليّه أخواته المهاجرات خارج العراق أن يتركها بعد ازدياد عمليات التفجير والقتل التي تستهدف المسيحيين وبعد وفات أختهِ (حنّة) فيجيبُهن :
وين أرُوح بـها العمر و أتبَهْـدَل ؟! أتبَهْـدَل هُوني ببلدي أحسن

يوسف الذي لا يتذكر من العراق إلا ذكريات جميّلة ، لا يُسمع فيها كلمة مسلم مسيحي ،سُني شيعي ، عربي كُردي ، زمن يوسف عمر و فلفل كًرجي  وفلاح حسن ،وصديقاه (اليهودي) نسيم حزقيل  و سالم حسين ، يوسف الذي يتكلم عن اقتناع أن ما تمر به العراق إنما هي غيّمة عابرة لابد أن تذوب يوماً و وتفرق في السماء، وتعود العراق كنخلة بابليّة شامخة .



يحكي لصديقه "سعدون "المسلم السني  صديق العائلة ومرابع الرياضة ، الذي حضر جنازة 
"حنة " وانزلها معه إلى قبرها وقرأ لها الفاتحة داخل الكنيسة الكلدانية يحكي له عن ذكرى وفاة "حنّة " وعن القُداس ، و يحكي لهُ عن الجدال الذي دار بينه وبين مها وعن جملتِها التي هزته :
(أنت عَـيّش بالماضي عــمُّـو )

مها ابنت اليّوم لا تعرف من العراق إلا القتل والتهجير والطائفيّة والخوف ، لم تعرف في العراق إلا أنها أقليّة ، كافرة ، أهل ذمة ،يُصير يوسف على موقفه ويعتبر ما يحدث غيّمة عابرة وتُصر مها على كلامها وتعتبره غارقاً في الماضي بين ذكرياته والصور المعلقة ومكتبة الكاسيت التي يفخر بامتلاكها.

يقول سعدون ليوسف في حوارهما وهما يشربان القهوة: (ضاع البلد بين إيران والعربان والأمريكان. والله ما أدري جانت (كانت) كل ها لطائفيّة موجودة و إحنا ما حاسّين بيها ؟!!معقول ! وين جانت خاتلة ؟ لو هاي (هذه)صارت  كلها مؤخراً ومن ورا التدخلات والحقد علينا وهذوله اللي جوي من برا وجابو و سخهم وياهم ؟ هاي سندس كَدامك (أمامك) ، مو متزوجة شيّعي ؟ أشو  ما جانت مشكلة قبل 15 سنة  ؟!!)


ويجود على يوسف بأبيات  ساخرة للجوهري (أبو فرات)  عن الطائفية يقول فيها:

"أي تطَرطَري، تَقَدَمي، تأخَري، تَشَيعي، تَسَنَني، تهوّدي تَنصَري، تَعَربي".

ويضحك يوسف وسعدون على هذا الزمن

يسير سعدون عائداً إلى بيته سيراً على الأقدام وهو يُفكر في مها وما قلته ، ويتأمل النخيّل التي تُزين حدائق البيوت ويتأسف على حال بعضها لم  يكرب ولا يشذب منذ زمن ، النخل كالإنسان  ففيها الذكر والأنثى ،يلقح الثانية طلع الأول ويخصبها فتحبل كامرأة وتتدلى أعذاقها ،الفسيّلة هي الأخرى كالطفل الصغير لا بد أن تحمى من البرد والمطر كي تشب قوية ، الحروب تقطع رؤوس البشر والنخل هكذا يقول يوسف وهو يتساءل اين ذهب "صاعدو النخل "!!

يعود للبيت يشعر بالتعب ينامُ قليلاً ثم يحن لسماع أغنية " نوحي نوحي نوحي يا روحي على العافوج  يا روحي نوحي".. ليوسف عمر تأخذهُ كلماتها لزمن الحُب والمودة وجلسات الشرب والقهوة  ورائحة القرنفل والجوري وحلكَـ السبع .



يسترق السمع علّه يسمع صوت مها في الأعلى ، علّها تأتي إليه فتعتذر عن انفعالها البارحة ، مها تجلس في قاعة الدرس بجامعة الطب ، وعقلها هناك مع عمها يّوسف ،تقول لنفسها سأعود وأطبخ له "تبسي الباذنجان " واعتذر له .


لم يلتقي يوسف ومها رغم أنهما جلسا في نفس الكنيسة لقُداس "حنّة" لم يُعطيّهم من ظنوا أن انتهاك الكنائس عملٌ يفتح لهم أبواب الجنّة وقتاً للقاء ، مات يوسف برصاصة استقرت في قلبه ونجت مها من الموت بأعجوبة بعد أن ادعتهُ لساعات .

مات يوسف وهو يؤمن بأن مريّم قد هزت جذع النخلة فتساقط عليّها رُطباً جنياً .




سارة علي عبدالنبي
30 أبريل 2014

الثلاثاء، 8 أبريل 2014

سبعة عشر رسالة وأربعة قصــائد








حين وقعت عيني على أول  كلمات لفدوى طوقان تقول فيّها ( هناك أشياء عزيزة و نفيسة ،نؤثر أن نبقيها كامنة في زاوية من أرواحنا ،بعيدة عن العيون المتطفلة ، فلابد من إبقاء الغلالة مسدله على بعض جوانب هذه الروح ،صوناً لها من الابتذال)، عندما وقعت عيني على تلك الكلمات وقعت فدوى طوقان في قلبي واخذت تلك الشاعرة الفلسطينية جزءاً منه. واستمريت  في البحث عن أبيات فدوى الشعرية على المواقع الإلكترونية و تتبع سيرتها ،و كم أحببت قصيدتها (رجاءً لا تمُتْ) التي رثت فيها أحب الناس إلى قلبها أخيها الشاعر الكبير إبراهيم طوقان وقالت فيّها
يا أخا الروحِ رجاءً لا تمُتْ
أو فخُذْ روحي معك
ليتني أحمِلُ عن قلبكَ ما
يوجع قلبك
ومع البحث المستمر ،دلتني صديقتي على سيرتها الذاتية "رحلة جبلية رحلة صعبة " والتي اعتبرها من أكثر السير الذاتية صدقاً في أدبنا العربي المُعاصر، فقد تحدثت فدوى عن مخاوفها بشجاعة وصدق لا نظير له . ولكن حتى سيرتها الذاتية لم تُجب عن تساؤلاتي نحو فدوى طوقان فقد كُنت أجد صعوبة في فهم بعض أشعارها بسبب عدم معرفة الحدث الذي جعلها تكتب هذه القصيدة  العاطفية من تلك بقي هناك شيء مفقود بالنسبة لي إلى أن دلتني تلك الصديقة على كتاب الكاتب رجاء النقاش (بين المعداوى وفدوى طوقان: صفحات مجهولة في الأدب العربي المُعاصر) بطبعته المُعدلة 1989م  وتحدث فيها عن الناقد العربي المرحوم أنور المعداوى وخص جزءاً كبيراً من حديثه حول الحُب الذي نشأ بين المعداوى وفدوى طوقان وكانت ثمرته 17 رسالة كتبها المعداوى لفدوى و أجمل القصائد العاطفية لفدوى طوقان وللأسف لم يتمكن أحد من مطالعة رسائل فدوى للمعداوى الذي قام بأتلافها خوفاً منه أن تقع في أيدي أناس أخرين بعد وفاته التي كانت مفاجئة في عام 1965 م.
كان المعداوى في فترة الخمسينات يُعد من اشهر النقاد في الوطن العربي وكان صاحب عمود "تعقيبات"  في مجلة الرسالة التي انشأها الأديب المصري المعروف أحمد حسن الزيات سنة 1933، وكان ذا كلمة مسموعة في الوسط الأدبي .
كان المعداوى شديد الأعجاب بشعر فدوى طوقان و يعتبرها شاعرة عاطفية حساسة تعتمد في شعرها على الانفعال بعواطفها المختلفة نحو الحياة والناس عكس نازك الملائكة التي اعتبرها شاعرة تُفكر بعقلها كثيراً وتكتب ما تفكر به لا ما تشعر بِهِ.
وكان اول تقارب روحي بينهما عندما اهدته فدوى قصيدة "مع لاجئة في العيد " حيث قالت فيّها فدوى
أختاه، هذا العيد رفَّ سناه في روح الوجودْ
وأشاع في قلب الحياة بشاشة الفجر السعيدْ
وأراك ما بين الخيام قبعتِ تمثالاً شقيًّا
متهالكً، يطوي وراء جموده ألمًا عتيًّا
يرنو إلى اللا شيء.. منسرحًا مع الأفق البعيدْ
وعلى أثرها تواصل المعداوى مع فدوى التي كانت تُحيط نفسها بحواجز رغم رقتها وعاطفتها الجياشة اتجاه الحياة وخوفها من الحب ومن الفشل ونشأتها في محيط محافظ جداً في مدينة نابلس  . وتمكن من اقناعها بنشر أول ديوان لها  واقنعها بتغيير اسم الديوان إلى "وحدي مع الأيام " وقام بكل مايقتضيه الديوان من اخراج واشراف وتصحيح للأخطاء المطبعية كما انه دفع بدار النشر أن تنشره مجاناً كخدمة له وحقق هذا الديوان نجاحاً هائلاً لفدوى طوقان في أوساط الأدب العربي وصار لأسم فدوى طوقان مركز مرموق في الساحة الشعرية العربية .
استمرت المراسلات بين فدوى وأنور وكبر الحُب بينهما رغم محاولة كل منهما نفي ذلك تارة بتفسير الأمر على أنه صداقة وتارة بتفسيره على انه أخوة ، ولكن فدوى المرأة الرقيقة والتي رات في اهتمام أنور وسؤاله واهتمامها به ما يُحاول هو إنكاره كانت أكثر صراحةً وصدقاً مع نفسها ومع أنور ، إلا أن أنور الذي كان يُعاني من الإلام حادة بسبب مرض أصاب الكلية والضغوطات النفسية التي تعرض لها أن يبتعد فترات طويلة عن مراسلة فدوى مما جعل الظنون تتسلل إلى عقل فدوى ظناً منها أن يتلاعب بعواطفها حتى وصل بهِ الأمر إلى مصارحتها برغبته في قطع التواصل بينهما ،وتوقف التواصل بينهما لمدة عام كامل ،كان مريراً على كُليهما ، عام فقد كل منهما جزءاً منه  ،فكتبت فدوى  قصيدتها "دوامة الغُبار "

عامٌ قريب
كانت حياتي قبله
شبحاً يدب على جديب
متعثراً بالصخر ، بالأشواك
بالقدر الرهيب
حتى رآك
روحي تهل على كآبته
فتترعه يداك
فرحاً و اشعاعاً غريب
عامٌ قصير
سرنا معاً فيه على دربي الوعير
جنباً الى جنب ، و ملء عيوننا
دفء الشعور
و العاطفة
و إذا الحياة على صدى
خطواتنا المتآلفة
خضراء تورق في الصخور
عام و مر و دجا غبارٌ حولنا
هاجت به ريح القدر
و تلمستك يدي و في عيني ليل معتكر
و ارتاع قلبي
رجعت إلي يدي ميبّسة الدماء
بثلج رعبي لا صوت منك و لا أثر
و وقفت وحدي في وحشة التوهان . في يتم الغريب
وقفت وحدي
تصطك روحي في فراغ الدرب من ذعر و برد
و على فمي
إشراقةٌ ماتت . و في قلبي
تنبؤ ملهم
أني سأبقى العمر وحدي
لا تبعد
وعلى آثر هذه القصيدة ضعف المعداوى وبعث رسالة لفدوى يوضح فيها أسباب ابتعاده ويعلن فيّها حبهُ الصريح لها ،فكتبت فدوى أجمل قصائدها العاطفية "العودة" وقُبلت قصيدتها باستهجان كبير لأنها استخدمت لها عبارة راسخة في ضمير النظال الفلسطيني "العودة" وهو لفظ مقتصر في تلك الفترة ولا زال على عودة اللاجئين 

وقد استهلت قصيدتها بهذه الأبيات 
وأطلّ وجهك مشرقًا من خلف عامْ
عام طويل ظلّ في عمري يدب كألف عامْ
عام ظللتُ أجرُّه خلفي وأزحف في الظلامْ
وعواصف ثلجية تصطكُّ حولي والطريقْ
كانت تضيق كأنها أمل يضيقْ ويضيع في تيه القتامْ
لتختمها بأبيات
وأطلَّ وجهك من بعيدِ
حلوًا يرف على وجودي
ورأيت أحزاني تموت على تعانُقِ راحتينا
وأضاء في فمك ابتسام
البسمة الجذلى التي أحببتها منذ التقينا
عادت تضيء كأنها قلب النهارْ
وتصب في نفسي فيشربها دمي
ويعبّها قلبي الظمي
ونسيت آلامي الكبارْ
ونسيت في فرح اللقاء عذاب عامْ
عام طويل ظلَّ في عمري يدب كألف عامْ

ولكن المعداوى لم يكن صادقاً مع فدوى كما يجب أن يكون كل المُحبين مع بعضهم، واستمر المعداوي في غيابه المتكرر بسبب مرضه عن مراسلة فدوى حتى ضاقت ذراعاً وبلغت منها الظنون مبلغ اليقين وخصوصاً مع تكرار ذكر المعداوى في كُل رسالة الشاعرة الراحلة  "ناهد طه عبدالبر" وعن تلك الشخصية النسائية التي كتب من أجلها "من الأعماق" وفي أخر رسالتين للمعداوى اشتكى لفدوى انه لم يتلقى منها أي رسالة ،كانت فدوى قد حزمت أمرها وقررت أن ترجع إلى عزلتها التي ألفتها منذ زمن ،ومر الوقت واجتمع على  المعداوى وعزلته المرض و أُفول نجمه عن الساحة الأدبية ،حتى فُجعت فدوى واصدقائه بخبر وفاته عام 1965 عن 45 عاما نتيجة معاناة من مرض عضال.
تلك الرسائل التي تبادلها كل من فدوى والمعداوي كانت من جانب المعداوي رسائل تحمل اللغة الجميلة ذات اللفظ الموسيقي وإن تخلل بعضها بعض المزحات والغرور المحبب من قبل المعداوي إلا أنها كانت سبباً في أجمل أشعار فدوى ،وكم كان الأدب سيكون محظوظاً لو أن المعداوى لم يُتلف رسائل فدوى اشفاقاً عليها من أقلام الناقدين إن وقعت رسائلها في أيديهم ،كما كنا محظوظين لو قرأنا سبعة عشر رسالة خطتها فدوى طوقان بأناملها وزينتها بجملها النثرية وربما حتى الشعرية الرائعة ،كُنا قرأنا مُصارحة حقيقية لما يعترى النفس البشرية في حالة الحُب والغضب واليأس والأمل .
رحل المعداوى وترك في نفس فدوى ألماً كبيراً وندماً لأنها لم تستطيع يوماً  إدراك ما كان يُعانيه  المعداوي على المستوى الجسدي والنفسي ولعلها كتبت إليه كما كتبت إلى أخويها الغائبين قصيدتها" إلى صورة  "
(( لاتتكلم ، إن التفسير يقلل من طرافة الموضوع ! ))
اذهبي ، واعبري الصحارى إليه
فإذا ما احتواك بين يديه
ولمحت الأشواق في مقلتيه
مائجــــات أشعةً وظلالا
مفعمات ضراعــةً وابتهالا
فإذا الليل سفّ منه الجناح
ومضت في انسراحها الأرواح
تتلاقى على مهاد الأثير
عبر آفاق عالم مسحور اللاشعور
عالم الحلم ، مسبح اللاشعور
فاسبقني أنت كل حلم إليه
واستقرّي هناك في جفنيه
عانقي روحه ، ورفّي عليه
انشديه شعري وغنّي لحوني
في هواه ،
بثّيه كلّ شجوني
صورّي لهفتي له وحنيني
حدّثيه . . حتى يلوح الصباح
فاذا قبّل النى عينيه
وصحا ، لم يجد هناك لديه
غير (( لا شيء)) ماثلاً في يديه
وارجعي أنت صورةً بكماء
وجهها خامدٌ بلا تعبير
ميّت القلب والهوى والشعور !.
هكذا وليظل حبّي سرا
غامضاً ،
إن للغموض لسحرا
آسراً ، يجذب النفوس اليه
حيث تبقى مشدودة في يديه
ليس تقوي على الفكاك
فكوني
أنت مثلي لديه عمقاً وغورا
هكذا ، وليظلّ نهب الظنون
تائها بين شكه واليقين!.  


سارة علي عبدالنبي
8 أبريل 2014