الأربعاء، 22 مارس، 2017

زرايب العبيد..نجوى بن. شتوان



     "كان البياض بيننا وبينهم وليس السواد ..    هذاماكنت  أدركه من دون تفسير بل هو أول حجر في المسافة؟"

     عتيقة بنت تعويضة و بنت محمد بن شتوان  
                      -----------------
تطرح "نجوى بن شتوان" عبر روايتها زرايب العبيد قضية العبودية في التاريخ الليبي إبان نهاية العهد العثماني وبدايات الاحتلال الايطالي 
يزور رجل غريب بيت عتيقة حاملا في يده وثيقة تؤكد نسبها لعائلته و ليعرف عن نفسه بأنه" علي" ابن عمتها طالبا منها اعطاءه الفرصة لإصلاح ما يمكن اصلاحه 
لتبدأ عتيقة في سرد حكايتها وحكاية والدتها و حكايات "زرايب العبيد" على شاطئ الصابري ببنغازي
ارتكزت "بن شتوان" في روايتها على أسلوب البدء في سرد الرواية من نقطة زمنية معينة مثلت الحاضر وهي لحظة زيارة ابن  عمتها"علي" لتعود من هذه النقطة للخلف.. لطفولتها في زرايب العبيد و تسرد من خلال الاحداث وعلاقتها بعمتها"صبرية" و مفتاح وعيدة وساكني الزرايب.
لم تغفل "بن شتوان" اثناء سرد الرواية الامساك بأحكام بأسلوب التشويق و الألغاز لتطرد أي صورة للملل يمكن أن تتملك القارئ.
تصل ذروة السرد في الرواية عندما تلتهم النيران "زرايب العبيد" و تلتهم معها جسد صبرية اثناء محاولتها انقاذ وثيقة تثبت نسب عتيقة وعلى اثر هذا الحريق ينكشف المستور وتدرك عتيقة ان صبرية هي أمها "تعويضة" التي احبت سيدها "محمد بن شتوان" و كانت هي ثمرة هذا الحب 

تبدأ بن شتوان بعد انكشاف الحقيقة في سرد النصف الثاني من الرواية وهي مرحلة يمكن وصفها بمرحلة الاجابات حيث تعود بالزمن إلى الوقت الذي التقت فيه أمها "تعويضة " بابن سيدها" محمد" تحت المزراب ،لتتوالى الأحداث حتى وصول والدتها الى زرايب العبيد ،و يحمل النصف الثاني وصفا اكثر اتساعا لقضية العبودية و العنصرية اتجاه اصحاب البشرة السمراء باعتبارها القضية الاساسية التي تناقشها "نجوى بن شتوان" عبر روايتها و من خلال سرد الأحداث تناقش الكاتبة قضايا فرعية منها ما تعانيه المرأة جراء بعض المعتقدات والتقاليد  المتوارثة في ذلك الزمن 
في اخر فصول الرواية تعود الكاتبة إلى الزمن الذي بدأت منه و هو لحظة وصول ابن عمتها مع وثيقة النسب.
استخدمت بن شتوان بعض أغاني المرسكاوي في التعبير عن مشاعر الشخصيات و المرسكاوي فن فلكلوري ليبي ،،أغاني سيجد القارئ العربي صعوبة في فهم معانيها.
تنافس رواية "زرايب العبيد "الان على جائزة الرواية العربية البوكر بعد اعلانها ضمن القائمة القصيرة للجائزة 

نجوى بن شتوان
كاتبة وروائية ليبية حائزةعلى  جائزة مؤسسة هاي فيستيفال لأفضل 39 كاتباً عربياً للعام 2009   و على جائزة الرواية العربية،الخرطوم عاصمة للثقافة العربية 2005.


الجمعة، 3 مارس، 2017

فهرس ..رواية الذاكرة


(فهرس) رواية للروائي العراقي "سنان أنطوان"صدرت لأول مرة عام ٢٠١٦ م ورشحت للقائمة الطويلة للجائزة العربية البوكر للعام الحالي

تبدأ  أحداث الرواية عندما يرافق نمير البغدادي  الأكاديمي العراقي فريقا سينمائيا أمريكيا كمترجم لصناعة فيلم حول واقع العراق و أحوال الناس فيه بِعد الغزو
يلتقي نمير بشارع المتنبي الشهير بائع الكتب "ودود" الذي يخبره بمشروعه الروائي الذي يعكف فيه على فهرسة أول دقيقة في الحرب باعتبارها فيصلا لما بعدها.
بصيغة القطع الصغيرة التي ترتبط مع بعضها صاغ أنطوان روايته وبقدرة كبيرة على استحضار أصوات الموتى رسم لوحة فسيفسائية لذاكرة الحرب في بلده
يتبادل نمير و ودود السرد خلال الرواية يحاول كليهما بناء جسور بين عراقي أفقدته حرب خاضها عقله وبين أخر تحاصره الذكريات
تحضر "الذاكرة" بقوة في أحاديث البطلين فهي بالنسبة لهما تجعل الأشياء تبدو صغيرة ،تضغطوا فتبدو مثل الأرض للبّحار

تسفر الرواية تداعيات الحرب و تأثيراتها على المجتمع و ما تفرضه هواجسها من حصار على العراقيين في بالدم وخارجها.
لا يخجل ودود من طرح أسئلة و قضايا فكرية و فلسفية و وجودية تقيد "نمير" و تجعله في حيرة من أمره أسيرا لذاكرته.
لم يبخل سنان أنطوان على القارئ في هذه الرواية فيمكن اعتبارها من الروايات التثقيفية ولَم يبخل أيضا في منح القارئ رفاهية اختيار النهاية التي يراها مناسبة لأبطالها.

"فهرس"  رواية تسكنها ذاكرة المهمشين و الضحايا من غابت أصواتهم تحت أصوات القنابل والرصاص دون أن يلتفت إليهم أحد ليصبحوا رقما  اضافيا في أعداد القتلى منذ الدقيقة  الأولى للعشرين من مارس من عام ألفين وثلاثة   

سارة  المبروك

٣ مارس ٢٠١٧

الخميس، 15 سبتمبر، 2016

باتسي كلاين ..و موسيقى الريف الأمريكية

كنت أشاهد على مضض فيلما قديما على قناة أم بي سي تو  من بطولة تومي لي جونز وسيسي سبيسك
الفيلم الذي حمل عنوان "ابنة عامل المنجم Coal Miner's Daughter "  كان يتناول قصة حياة أسطورة موسيقى الريف الأمريكية "لوريتا لين" لم أكمل الفيلم حتى النهاية  لا أدري ما الذي منعني أو جذب اهتمامي بعيدا  عن أكماله ربما معرفتي بقصة حياة لوريتا مسبقا ..ولكن ما شدني حقا هو شخصية "باتسي كلاين"  خلال الفيلم المعطائة والمحبة للحياة   ونهايتها المأساوية في أوج عطائها وشهرتها  فقررت البحث عنها أكثر
وتعمق بحثي الصغير  وكنت على وشك نشر التدوينة كما هي؛ أي التعريف بباتسي كلاين دون التطرق لشرح بعض المعاني إلا أن صديقة ارتأت أني أدون حول  موضوع لا يهتم به الكثير وأن بعض المصطلحات تستعصي على الفهم    فقررت أن أوسع هذه التدوينة لتضم شرحا لبعض المصطلحات على أمل الا يطال قراءها الملل أصناء قراءتها
..............

في الخامس من مارس من عام الف وتسعمائة و ثلاثة وستين استيقظت أمريكا على خبر  حادثة تحطم طائرة صغيرة في منطقة كامدن بولاية تينيسي ووفاة جميع ركابها
في اليوم التالي أعلنت الصحافة أن مغنية الموسيقى الريفية باتسي كلاين كانت أحدى  ضحايا هذا الحادث   
فارقت باتسي الحياة عن عمر يناهز الواحد وثلاثين عاما مخلفة ورائها طفلة لم تتجاوز الأربعة أعوام
وفاة كلاين أحدثت صدمة كبيرة بين عشاق الموسيقى الريفية أو كما دأب محبوها على تسميتها موسيقى ناشفيل والتي انشأت بعد  تبني عدد من الموسيقيين و منهم باتسي كلاين خلال الستينات لاسلوب متطور و حديث  آن ذاك  في التقديم الصوتي وترتيب آلات الموسيقى الريفية وهو اسلوب كان له تأثير قوي عرف باسم الريف الكوني أو الكوزموريفي دون أن تتداخل هذه الاساليب  بشكل مباشر مع  أساليب الروك أند رول لألفيس بريسلي أو بادي هوللي 
منحت  باتسي موسيقى "الهونكي تونك" المعتمدة على عزف البيانو بأسلوب  بعدا أخر  من خلال التركيز اكثر على اللحن وفي الواقع  لايعرف أصل محدد لكلمة هونكي تونك  إلا أن شواهد تاريخية ترجع أن الكلمة كانت معروفة في المدن الموجودة على دروب رعي الماشية من دالاس إلى جنوب وسط أوكلاهوما و تشير بعض المصادر إلى ان كلمة هونكي تونك مأخوذة من ضجيج الموسيقى الصاخبة التي تعزف داخل الحانات

في عام 1973 عُلقت صورة باتسي كلاين في ردهة مشاهير الموسيقى الريفية واحتلت المركز 46 في تصويت لمجلة رولينغ ستون لاختيار أفضل 100 مغني في جميع الأزمان

https://youtu.be/z1Pm6KFDanc

الأحد، 3 أبريل، 2016

لعبة المغزل

منذ زمن خفت لدي الرغبة في التدوين أو الكتابة وبدأت تلك الخفة تطال الرغبة في الكلام وتبادل الحديث مع المحيطين ،إلا أن الدهشة التي أصابتني وأنا أقلب أخر ورقات رواية "لعبة المغزل " أجبرتني على الكتابة رغم محاولاتي المتكررة لإغفاء الأفكار التي ولدت من رحم أحداث الرواية في عقلي .
ربما ما يميز حجي جابر قبل أن أتحدث عن الرواية هو عمله الدؤوب خلال هذه الرواية والروايتين السابقتين "سمراويت " و"مرسى فاطمة " لولوج تاريخ إرتريا ،الجزء المفقود من هويته وهويتها العربية .
وكعادة حجي التي دأب عليها في جميع رواياته السابقة هو مركز الحكاية .." قصة حب" ، ولم يخالف الكاتب عادته في "لعبة المغزل " إلا أن التقنية التي استخدمها حجي هذه المرة تربك القارئ في البداية وتدهشه حد الذهول في نهاية الرواية
حجي قرر أن يجعل نهاية الرواية هي بدايتها ليمسك بعدها بعقل وروح القارئ عبر سرد جميل لأحداث الرواية ،سرد ثنائي يفسر بأناقة كيف وصلت شخوص الحكاية إلى تلك النهاية المؤلمة ، ثم قرر حجي أن هذه المفاجئة في نهاية الولى لا تكفي ..فقرر أن يكتب نهاية ثانية يرمي فيها السارد بأسهم الشك نحو القارئ
ليجعلنا نحن المساكين نتساءل أين الحقيقة ؟
كان حجي حقاً في هذه الرواية يتلاعب بالمغزل الذي تنسج منه الحكايات ويعيد طرح السؤال الأثير :من يكتب التاريخ ؟
ليحيلنا إلى الجواب "المنتصر هو من يكتب التاريخ "
ماذا لو كانت السلطة التي نرضخ تحتها هي من تكتب التاريخ وتزوره
ماذا لو اطلعنا على الحقيقة والتي بكل حال ستسقط رموزاً ماذا سنفعل ؟!
سيقول بعضكم ..عن ماذا تحكي الرواية
تحكي الرواية عن فتاة شابة جميلة ترى أن جمالها سلاح لا يقاوم و أن جميع أحلامها يجب أن تحقق تعيش في كنف جدتها التي تسامرها كل ليلة بحكاية من حكاياتها على هدير آلة الخياطة ، تقود الأقدار الفتاة للعمل في مؤسسة حكومية تعمل على نقل الوثائق السرية التي تتحدث عن تاريخ الثورة من الورق إلى أجهزة الحاسب ، ترى الفتاة أن ما تحمله الوثائق ممل ولأنها تظن أن كل شيء مباح أمامها توغل في إعادة كتابة تلك الوثائق حتى أنها تقوم بإعادة كتابة الوثائق الخاصة بسياة الرئيس ..
لن أكمل أكثر من ذلك ..لا أرغب في سرقة الدهشة منكم عندما تقع الرواية بين أيديكم
يختم حجي النهاية الأولى بهذه الجملة
أما بعد :
" هذه الحياة مملةٌ أكثر ممّا ينبغي " .

الجمعة، 28 أغسطس، 2015

صاحب الظل الطويل



من أنت، يا صاحب الظل الطويل؟
حلمتُ بالسعادة، حلمتُ بالحياة
وسدة الدروب
واشتدت الخطوب
فجئت من سراب
يا صاحب الظل الطويل



لا يمكن أن تغفل ذاكرة الطفولة عن شخصية جودي أبوت في المسلسل الكرتوني الشهير "صاحب الظل الطويل"
ولم يكن في بالي وانا أطالع رواية جين وبستر (أبي طويل الساقين) أنني اقرا الرواية التي خلقت احدى الشخصيات الكرتونية المحببة لدي "جودي أبوت "
لا شك أن رواية "أبي طويل الساقين "حصدت نجاحاً كبيراً عندما تم نشرت لأول مرة في عام 1914 لتصنف بعد عدة سنوات على انها من روائع التراث الأدبي الأمريكي، وتحول إلي فيلم روائي موسيقي في عام 1955 .


جين وبستر (اسم مستعار لأليس جين تشانلر ويبستلر ، كاتبة و روائية أمريكية ، ألفت الكثير من الكتب أشهرها أبي طويل الساقين و عزيزي العدو ، ورغم انها ماتت في سن الأربعين لكنها تركت بصمة واضحة في الأدب الأمريكي فقد امتاز اسلوبها بالحيوية و الفكاهة و الحوار اللاذع الذي يجعل لكتبها قبولا واسع و متعة خاصة للقراء.
جين وبستر


تدور الرواية حول فتاة يتيمة تدعى جيروشا أبوت ويقال إن جين قصدت بجودي صديقتها الشاعرة أدليد كرابس.
تعيش جودي في ملجأ للأيتام ينتبه إليها أحد الاوصياء لما تمتلكه من موهبة الكتابة فيقدم لها منحة إلى كلية لينكولن الشهيرة بشرط أن تكتب رسالة شهرية له تخبره فيها عن دراستها واحوالها، لا تلتزم جودي بالرسالة الشهرية بل تخلق صلة تواصل مستمرة عبر رسائلها لمن أسمته "أبي طويل الساقين " ولعل اغلبنا يتذكر ذلك المشهد من الرسوم المتحركة صاحب الظل الطويل الذي دعا جودي لتسميته "بطويل الساقين "


وانت تبحر في عالم جودي ورسائلها تجد راحة وسلوى للنفس كبيرة، فجين تمتلك من سلاسة الأسلوب وروح الدعابة حيث ارفقت بعض رسائلها بأشكال توضيحية مما يجعل القراءة لها شيئاً يولد البهجة
..
تقول جودي أبوت في إحدى رسائلها
عزيزي الوصي الطيب _الذي يرسل اليتامى إلى الكلية.
ها انا ذا. لقد سافرت بالأمس لمدة أربع ساعات بالقطار، إنه شعور مثير ومبهج. اليس كذلك؟ إنني لم أركب قطارا من قبل.
الكلية متسعة وضخمة وتدعو للارتباك، أنا أضل طريقي، دائماً بمجرد ترك غرفتي. سوف أكتب لك وصفاً تفصيليا عندما أشعر أنني اقل ضياعا، وسأخبرك ايضا عن دروسي، فالدراسة لن تبدأ إلا يوم الاثنين، نحن الآن في ليلة السبت، لكني-على اية حال –رغبت في أن اكتب لك خطابا لمجرد التعارف.
من الغريب أن تكتب لشخص مجهول لا تعرفة، ومن المدهش بالنسبة لي شخصيا أن أكتب خطابات كليةً، فانا لم اكتب طوال عمري خطابين أو ثلاث، لذا أرجو أن تتجاهل هذا الخطاب إذا لم يكن نموذجيا للغاية.
قبلما أسافر صباح الأمس، استدعتني مسز ليبيت "مسؤولة دار الأيتام "لتكلمني جديا، أفهمتني كيف أتصرف طوال حياتي المقبلة، لاسيما كيف أتعامل مع ذلك السيد الذي منحني الكثير. حيث يجب أن
أخذ حذري وأكون مؤدبة بشكل غير اعتيادي.
لكن كيف أكون مؤدبة تجاه شخص يرغب فى ان يسمي نفسه جون سميث، لماذا لم تختر اسما فيه بعض اللمحات الشخصية؟ من الأفضل أن يكتب الإنسان خطابا لعزيزي: عمود النور أو عزيزي ظلفة الباب.
لقد فكرت كثيراً فيك هذا الصيف، فإنه لمجرد أن يهتم بي شخص ما بعد كل هذه السنين الطويلة، يعتبر كأنما ولدت من جديد وعثرت على عائلة أنتسب لها ..الآن ابدو وكأنني أنتمي لشخص ما ، هذا شعور مريح للغاية.
ولكني أري لزما علي أن أعترف بأنني كلما فكرت فيك فإن خيالي يجد القليل يستند إليه ..وهذه ثلاثة اشياء فقط اعرفها عنك .
1_أنك طويل القامة
2_أنك رجل غني
3_أنك تكره البنات
أعتقد أنه ربما يجب أن أدعوك: عزيزي كاره البنات، لكن هذا يعتبر إهانة لي. أو ادعوك: عزيزي الرجل الغني ،لكن هذا يعتبر إهانة لك ،فبالإضافة إلي اعتبار الشخص غنياً وهي صفة خارجية وسطحية ، فربما لا تستمر غنيا طوال حياتك. فكما تعلم، كثيراً من الرجل تحطموا في شارع المال "وول استريت"، لكنك –على أي حال –سوف تسمر دوماً طويل القامة ما دمت على قيد الحياة.
لذا قررت أن أدعوك: ولدي العزيز طويل الساقين. أرجو ألا تمانع في ذلك، إنه مجرد اسم تدليل خاص، طبعا لن نخبر مسز ليبيت بذلك.

سيدق جرس الساعة العاشرة مساء بعد دقيقتين من الآن .يومنا مقسم إلي فترات بواسطة الأجراس ، فنحن نأكل وننام ونذاكر بالأجراس ،ويتملكني شعور بأنني أشبه بحصان المطافئ . لقد دق الجرس الآن. سأطفى النور، تصبح على خير.
لاحظ كيف أنفذ التعليمات بكل دقة متناهية، وهذا راجع بالطبع لتمرسي ومراني على ذلك في دار جون جرير للأيتام.
المخلصة جداً
جيروشا آبوت



كُلنا نعرف كيف انتهت الرواية ..

سارة علي عبدالنبي 
28 اغسطس 2015

السبت، 15 أغسطس، 2015

رضوى عاشور و (قصيدة الحياة والحب والموت )...



تُعد لوحة "الصرخة "المرسومة بالألوان من أكثر لوحات مونش تعبيرية يلاحظ فيها الأشكال و الألوان و المنحنيات الخاصة به و الغموض و الرمزية التي تعكس الواقع المرير للألم الإنساني و ما يعانيه الإنسان من عزلة في هذا العالم المترامي الأنحاء ، قيل أن مونش  رسمها في يوم تصادف فيه ثوران بركان كراكاتاوا في عام 1883 و الذي سبب غروباً شديداً في مختلف أنحاء أوروبا ، و قيل أيضا ً أنه رسمها في خضم حزنه لدخول أخته "لورا" المصحة النفسية ، كانت تلك اللوحة ضمن مجموعة لوحات رسمها "مونش" أثناء تواجده في برلين تحت اسم "إفريز الحياة" و التي وصفها بنفسه على أنها (قصيدة الحياة و الحب و الموت )
وربما بسبب وصف مونش  الأخير للوحته اختارتها رضوى  لتكون غلاف لسيرتها الذاتية الثانية وأخر كتاباتها ..
اربع وعشرون فصلاً غابت عن بعض الفصول سطور الحكاية  لإن المرض كان أسرع من رضوى ..
يقول مريد وتميم في الغلاف الخلفي للكتاب أنهم نشروا النص كوثيقة ،كما هو بدون تدخل من جانبهما ،مشيرين إلى القارئ :أن بعض الفصول سوف تحتوي على رؤوس أقلام أو عناوين تليها صفحات بيضاء ،ومن بين نصوص رضوى جميعها هذا النص الوحيد الذي رفضت أن تسمح لأسرتها او اصدقائها الاطلاع عليه اثناء كتابته .
خلال قراءتي لسيرتها الثانية والتي تتحدث فيه رضوى عن  محاربتها لمرض خبيث سكن رأسها  ، رجعت بي الذاكرة لأكتوبر من عام 2014 في العاصمة التونسية حين جلست وحيدة أمام الدكتور المعالج ليخبرني شكوكه حول وجود خلايا سرطانية في الغدة الدرقية والتي عانيت منها على عدة سنوات وكانت النتيجة ثلاث عمليات سابقة .
فتح الدكتور المغلف الذي احضرته من معمل التحليل لا زلت اذكر  اظافر يديه المقلمة ، ورغم حديثة الهادئ و تفاؤله  إلا انني في تلك اللحظات تمكنت بصعوبة من ابقاء شلال من الدموع داخل عيناي ،خضت بعدها اسبوعاً من الانتظار  وحيدة رغم  الرفقة ،واسبوعا اخر من التجهيزات لتحديد موعد العملية ودراسة الخيارات .
لا اريد أن اطيل عليكم في الحديث عن نفسي ، ومدى المخاوف التي خبرتها على مدى شهر كامل  ربما لأني رضوى اختصرت ذلك بجملة واحدة في كتابها عندما قالت أسوأ ما في المرض أنه يُرْبِكُ ثقتك بنفسك فيتسرب إليك الخوفُ من أنك لا تصلح, و لن تستطيع .”
في هذه السيرة وفي سابقتها "أثقل من رضوى " تتحدث رضوى وإن كان بطريقة لم نعهدها ، فيها بعض التشتت ،فالمرأة تعلم أن معركتها مع المرض خاسرة .. تدرك ان تأثيرات الجراحة التي أجرتها في امريكا والدنمارك  تفقدها القدرة على الكتابة كما كانت ..
تتحدث خلال "الصرخة" عن الثورة المصرية و تعلن آسفها لنزولها في مظاهرات 30 يونيو ، وتعلن عن رفضها ان تمنح تفويضاً يسمح بإقصاء الأخرين وقتلهم ،،وتشير مرات عدة خلال سردها لإحداث رابعة والنهضة ومحمد محمود واعتقال وقتل شباب الثورة
كنت اشعر بالحزن عندما اتفاجأ بورقات بيضاء بعد احد الفصول ، أشعر في تلك اللحظة كما شعرت سابقاً عند اعلامي بمرضي والذي شفيت منه بوجود فيض من الحكايات والكلمات لم اقولها   
في كل ورقة بيضاء في "الصرخة " اكرر  الموت اختطف رضوى وفي قلبها فيض من الكلمات ..




أحببت رضوى عاشور  منذ اليوم الأول  و الذي اهتدني فيه صديقتي الغالية قصة لها بعنوان (خديجة وسوسن ) أحببتها اكثر عندما اذهلتني في رواية الطنطورية  ثم  ابكتني في رواية (ثلاثية غرناطة ) و (فرج) و(أطياف ) و(سراج )
لا يمكن لأحد أن  يصف رضوى كما وصفها يوماً زوجها الشاعر مريد البرغوثي في صديقة لها  في عام 1987 م  يقول فيّها


على نَوْلِها في مساءِ البلادْ
تحاول رضوى نسيجاً
وفي بالها كلُّ لونٍ بهيجٍ
وفي بالها أُمّةٌ طال فيها الحِدادْ

على نَوْلِها في مساءِ البلادْ
وفي بالها أزرقٌ لهَبِيُّ الحوافِّ
وما يمزج البرتقال الغروبيّ
بالتركواز الكريمِ
وفي بالها وردةٌ تستطيع الكلامَ
عن الأرجوان الجريحِ
وفي بالها أبيضٌ أبيضٌ كحنان الضِّمادْ

على نَوْلِها في مساءِ البلادْ
وفي بالها اللوتسيُّ المبلّلُ بالماءِ
والأخضر الزعتريّ
وصُوفُ الضُّحى يتخلّل قضبان نافذةٍ
في جدار سميكٍ
فيُدْفِئُ تحت الضلوع الفؤادْ

على نَوْلِها في مساءِ البلادْ
وفي بالها السنبُلِيُّ المُعَصْفَرُ
والزعفران الذي قد يجيبكَ لو أنتَ ناديتَهُ
والنخيليُّ وهو يلاعِبُ غيماً يُحاذيهِ
في كفِّها النَّوْلُ، متعبَةً، تمزجُ
الخيطَ بالخيْطِ واللونَ باللونِ
تَرضى وتستاءُ
لكنها في مساءِ البلادْ
تُريدُ نسيجاً لهذا العراء الفسيحِ
وترسمُ سيفاً بكفّ المسيحِ

وجلجلةً مِن عِنادْ


سارة علي عبدالنبي 

السبت، 11 يوليو، 2015

الفئران آتية احموا الناس من الطاعون ....




من منا لا يذكر مسلسل "على الدنيا السلام " او كما اشتهر بمسلسل محظوظة ومبروكة بطولة الفنانتين القديرتين حياة الفهد و سعاد عبدالله . و الجملة المشهورة لمعلمة التاريخ فؤاده عبدالعزيز
الفئران آتية احموا الناس من الطاعون ....
أنا التاريخ كله


تدور احداث الرواية  والتي منعت حال صدورها في الكويت  عن خطر الطائفية التي بدأت تنخر جسد النسيج الوطني الكويتي بصفة خاصة حيث يتحدث الراوي للرواية بين فترة الثمانينات في الكويت حتى العام الفين وعشرين !
 اختار سعود السنعوسي عنوانا غريبا للرواية فأسماها  "فئران أمي حصة "  
الفــئران التي طالما ازعجته لأنها تلتهم بيض دجاجات أمي حصة ، رغم ان امي حصة تُصر على ان الفئران غير مسؤولة عن اهمال الدجاجات لبيضها .
أمي حصة التي تجمع حولها الراوي وصادق وفهد  لتبدأ حكايتها بـ "زور ابن الزرزور، اللي عمره ما كذب ولا حلف زور" والتي تنبههم ان الكذب سيوقع السماء على رؤوسهم  التي ان ما رأت حذاء مقلوباً حتى اسرعت لتغيره
والتي تربطها علاقة جميلة من المودة والاحترام مع ام عباس أمي زينب القادمة من بصرة العراق
يسكن الثلاثة في حي السُرة  الذي شهدت مبانيه تصوير مسلسل محظوظة ومبروكة ،حي السُرة الذي حاول الكاتب  ان يشير اليه ككويتِ مُصغر تسكنها عائلات كويتية سنية وشيعية وفلسطينيين وسوريين وباكستانيين ومصريين وهنديين ويمنيين في مودة واحترام ..
شخصيات الرواية هم( ال يعقوب ) أمي حصة الكويتية  والدة فوزية  و  صالح السني  وزوجته عائشة  وولدهما فهد
(ال عباس): امي زينب العراقية ووالدة عباس الشيعي  ،عباس متزوج من فضيلة ولهما ابن اسمه صادق وبنت اسمها حوراء .
الرلوي  (كتكوت )كما تحب فوزية ان تناديه وامه التي تشير اليها امي حصة بالست الناظرة ووالده رجل الاعمال اللاهث وراء جمع الأموال

منذ تفجيرات المقاهي الشعبية في عام 1985  والتي راح ضحيتها زوج امي حصة ، وحتى احتلال العراق يسرد احمد وقائع التغيرات التي حدثت في المجتمع الكويتي وكيف تجذر عن طريق الخطاب الطائفي واحتساب كل منطقة وكل اسم على طائفة معينة وتأثر الكويت بالأحداث التي طالت المنطقة من حرب الخليج الاولى الى حرب تموز الى غزو العراق ، كيف باتت اغاني عبدالكريم عبدالقادر  كأغنية وطن النهار جزء من الذكرى  فقط ، ليقرر الراوي  وفهد وصادق وايوب قريب صادق وضاوي ابن خال الراوي وحوراء وفوزية التي اصابها الضرر بعد وفاة والدتها في غزو العراق للكويت ان ينشؤوا مجموعة تحارب الطائفية وتعتمد على تذكير الكويتيين بهويتهم وتاريخهم واطلقوا عليها (اولاد فؤاده )  ولكن اولاد فؤاده يجدون انفسهم امام طوفان كبير لا قبل لهم بمواجهته يحاولون ولكن دون جدوى فتغرق الكويت في حرب اهلي لا تبقي ولا تذر حتى تمتلء البلاد برائحة عفنه بسبب كثرة الجثث لا الحكومة ولا قوات السلام ولا الدول الجوار يساعدها في تخطي هذه الحرب بل ان الكل يتخلى عنها ، ليرى الراوي  نهاية حلمه في كويت واحد عندما يتشاجر فهد وصادق يسب كل منهما الاخر يصيح احدهم يا رافضي فيشتمه الاخر يا ناصبي  وينهال فهد بحجر ثقيل على صادق ويظن انه قد قتل رفيقه كما ظن نجم سهيل في حكاية امي حصة انه قد قتل رفيقه ففر هارباً من سوء ما فعل فتحول الى نجم في السماء اسموه نجم سهيل ، يموت فهد في مستشفى الجابرية  بعد ان ظن انه قتل صديقه عندما تصدمه سيارة مسرعة  ويضيع صادق فلا يجده الراوي  . لعله يتحول كصديق سهيل شهاباً يزور فهد كل عام  كما تقول امي حصة .
يركض الراوي  يرافقه أيوب في نهاية تحاكي المشهد الأخير من مسلسل محظوظة ومبروكة هربا من دنيا لا امل فيها وهربا من الطوفان



استخد السنعوسي اسلوب السرد من طرف واحد فهو الراوي مجهول الاسم  بالرواية .. تتعرض لصعوبة في اكمال اول عشرة أوراق من الرواية ولكن سرعان ما تبدء في التأقلم مع كيفية السرد في الرواية ،يمتلك سعود السنعوسي قدرة هائلة على جلب الماضي واصباغ الرواية بالحميمية  فهو من احسن من يكتب عن الهوية الكويتية فقد فعلها سابقا في ساق البامبو، في الرواية اقتباسات كثيرة لأغاني عبدالكريم عبدالقادر احببت فيها تلك الاغنية التي يقول فيها  وكأنه يصف ذكريات أحمد في بيت امي حصة 

البيت ذاك البيت .. وسكته سهله
أموت لامريت .. من شوقي لأهله
الله يالأيام
هالبيت وش زينه .. وش زينها سنينه
كنا تحت سقفه .. نسهر ولانغفى
وجونا صافي .. وقلوبنا اصفى
الله يالأيام

تقع الرواية في 437 ورقة  تحصلت على الطبعة الرابعة منها ، وبما اني قرأتها بعد تفجير مسجد الصادق في الكويت فقد استغربت منع الكويت  بيع هذه الروايه رغم انها تقدم نموذجا للرواية التوعوية في تحذر الناس من  تبعات  الانقسام الطائفي على البلاد والعباد 


سارة علي 
11 يوليو 2015


الأربعاء، 13 مايو، 2015

الدفتر الكبير ..


إنها الحرب ..
في الحرب يقتُل الناس بعضهم البعض.
عند سماع تلك الجملة في البرمو  المعد لعرض الفيلم المقتبس عن رواية الأديبة الهنغارية أغوتا كريستوف (الدفتر الكبير) يعم بداخلك صمت رهيب !!
هذه رواية لا ينتظر منها  أن تكون ذات تعبيرات أدبية أو وصفاً خيالياً أو مسحة من العاطفة فهي رواية كتبت بلغة جافة من صُلب الواقع ،صادمة حد الوجع ، تطالعها دفعة واحدة نظراً لما تمتاز به من سلاسة في سرد الأحداث .
هي رواية ترتكز الرواية على فلسفة ذكرها أحد التوأمين ابطال هذه الرواية إذ يقول

"على التأليف أن يكون حقيقياً، أي أن يطابق الواقع، ينبغي أن نصف ما هو كائن فعلياً، أن نصف ما نراه، وما نسمعه، وما نفعله،الكلمات التي تصف الأحاسيس تظل مبهمة، الأحرى إذن الإعراض عنها، والإنصراف إلى وصف الأشياء، ووصف الآدميين "..

غلاف الرواية 


تسلط الرواية الضوء على قضية اجتماعيّة مهمة  وهي  الحرب وتأثيراتها على المجتمعات عامة وعلى الأطفال بشكل خاص ، كيف تؤدي الحروب إلى غياب الضمير وارتفاع نزعة الإجرام والاستغلال والعنف
صممت اغوتا على سرد  احداث هذه الرواية بدون ذكر اسماء فكل منهم يحمل صفة ما ، التوأمان الجدة المشعوذة الأسكافي ،الخوري ..ألخ ،لا تشير أغوتا في روايتها أين وقعت الحرب ومن هم المتحاربين ،فهي تريد أن تصل الرسالة للجميّع الحرب أي كانت اسبابها ،تقتل فينا كل ما هو إنساني ..
تبدأ الحكاية عندما تضطر أم التوأمين إلى تركهما مع جدتهما التي فقدت منذ زمن قيمها الإنسانية ، يتعلم الطفلين هناك كيف يتأقلمان مع الجوع والألم والبرد ومنظر الدماء ، هناك في تلك القرية الصغيرة كُل شيء مباح من اجل قطعة خبز او بضع قطعاً من النقود ..
شخصيات الرواية كلها مضطربة مشوهة انتهازية اقنعت نفسها ان الحرب تبيح كل شئ، تشعرك أغوتا منذ الوهلة الأولى أنه لا شيء على ما يرام فهناك ماسوشية وجنس محرم إمعانا في إظهار اضطراب شخصياتها وإحداث صدمة للقارئ لما تخلفه الحروب من أفعال منافية للأخلاق.
هناك إشارات خلال الرواية لما يعرف بالمحرقة التي تعرض لها اليهود ، وعمليات انتقام واسعة بعد انتهاء الحرب ..

العجيب في هذه الرواية أن اغوتا كتبتها بغير لغتها الأم  حيث اضطرت للهجرة من من هنغاريا إلى سويسرا في خضم قمع الاتحاد السوفياتي الثورة المجرية عام 1956 بالدبابات، فعايشت شعور نازحي الحرب وكان عمرها 21 عاماً ومسؤولة عن ابنه بالغه من العمر اربعة أشهر ،عملت خمسة اعوام في مصنع للساعات قررت بعدها ترك العمل والاتجاه لدراسة اللغة الفرنسية  فكانت تكتب هذه الرواية وتتعلم الفرنسية في الوقت نفسه ،لذلك تعرف رواية الدفتر الكبير بأنها الرواية  التي كتبت في الأصل من اجل التدرب لا غير ..