الثلاثاء، 8 يوليو 2014

حلوى عاشورة




تعمدت أن اقرأ هذه الرواية قبل رواية قواعد العشق الأربعون لإليف شافاق لا أدري لماذا اختارت إليف اسم (لقيطة إستانبول ) لروايتها رغم أن الرواية لم تكن تتكلم عن آسية وحدها ، تمتلك إليف قدرة عجيبة في إعطاء كل شخصية في الرواية القدر المطلوب لتجعلها محط انتباه القارىء ، الوصف الظاهري ،الحركات التعابير العاطفية لكل شخصية دون أن تخل بتوازن الرواية ودون أن تشتت القارىء ،أول المشاهد الذي يشدك إليها مشهد المطر الذي يهطل في شوارع استانبول ويبلل شعر زليخة الأسود ، ليدخلك بعدها في مشهد الضجيج والحياة الغارق في حب استانبول ،ثم تأخذك الشوارع إلى بيت قازانجي ، بيت ملء بالنساء المتناقضات ،كل واحدة منهم تمتلك قدراً من الجنون ،بانو شكرية فريدة زليخة أم كلثوم وما-الهيفاء وطبعاً آسية ،بعد الفصل الأول والثاني والثالث من الرواية تُدرك أن الفصول معنونة بأسماء مكونة لأكله مشهورة في تركيا وفي الوطن العربي عموماً ،عاشورة وتتسائل لماذا قسمت إليف وعنونتها بمحتويات آكلة ما ؟! أكان السبب أن مصطفى الرجل الوحيد في عائلة قازانجي كان يحبها أم لأن الأكل هو الرابط بين الأتراك والأرمن غير الدم والمجازر ، أم لأن حكاية العاشورة كما في الموروث التركي هو مانتج عندما ركب سيدنا نوح السفينة مع اخيار الناس والحيوانات والطيور وقل الطعام فأمرهم بأن يجلب كلُ ما عنده إلى قدر ليكون الناتج حلوى العاشورة  ،هي رسالة للمودة والألفة والمحبة هكذا أرادت إليف في روايتها أن تجمع قصة آسية التركية  بآرمانوش الأرمنية أن تفتح الباب بين تركيا الحاضر وتركيا الماضي ، أن توصل رسالة كل طرف للأخر وهذا شيء أجزم أنها قد نجحت فيه .
لم تنكر إليف المجازر التي وقعت في حق اللأرمن وكذلك لم تعتذر عنها كتركيّة لأن ذاكرة التاريخ عند الأتراك بجزئين بين دولة عثمانية وما يسمونها حديثاً بتركيا الحديثة فذالك زمان وهذا زمان بالنسبة لهم ، فهي جسدت في شخصية آسية الفتاة التي تركل الماضي بقدميها ولا تبحث عنه ولا تسأل عما يحتويه من أحداث عكس آرمانوش الأرمينية الأصل التي تربت أن التاريخ جزء من الماضي وأنها ككل الأرمن  اصرارهم بالأرتباط بالماضي ليس من أجله او من أجل القضية  بل من أجل انفسهم فهم لا يستطيعون ان يعيشوا الحاضر إلا من خلاله .

سترى أن إليف شافاق في هذا الرواية تأخذك في رحلة تاريخية لا مثيل لها، وتارة أخرى تلعب دور المرشد السياحي لتصف لك استانبول ،وتارة أخرى تجلسك على طاولة لتذيقك أشهى المأكولات ،تغوص بك في حالة التناقض بين الشرق والغرب بين الروح والجسد  .

ستبقى مشاهد عدة راسخة في ذاكرتك بعد ان تتم هذه الرواية ،مشهد المطر وكاسات الشاي والعين الشريرة ، مجادلات مقهى كونديرا ،بانوا والسيد مُرّ،ودبوس الرمانة الذهبية،مشهد رحلة شوشان وعائلتها ،ووصفة وإعداد حلوى عاشورة وستحفظ  القواعد الذهبية لحصافة المرأة الإستانبولية وتلك العبارة التي قرأتها زليخة وعمرها تسعة عشر عاماً لتعود ابنتها لتقرأها وعمرها تسعة عشر عاماً "لا تقل إني بائس فللبؤساء قلوبٌ أيضاً "و هذه الأسطر.

كان يا مكان
كان في قديم الزمان ،في أرض ليست ببعيدة كثيراً ، عندما كان المنخل داخل القشّة، كان الحمار منادي البلدة ، وكان الجمل حلاق البلدة.. كنت أكبر سناً من أبي لذلك كنت أهز مهده عندما كنت أسمع بكاؤه ..عندما كان العالم مقلوباً رأساً على عقب، وكان الزمن دائرة تدور ، لذلك كان المستقبل أقدم من الماضي، وكان الماضي نظيفاً ونقياً مثل حبة بُذرت في الحقل حديثاً.

كان يا مكان ،في قديم الزمان ،كانت مخلوقات الله كثيرة جداً بعدد حبات القمح، وكان الكلام إثماً ، لأنك تستطيع أن تعرف مايجب ألا تتذكره ، وتستطيع أن تتذكر ما يجب ألا تقوله.