السبت، 20 ديسمبر 2014

المجدل ثوب مُطرز في ذاكرة فلسطين ..تدوينه عن (طعم الفراق ..لربعي المدهون )



هي  سيرة المجدل  كثوب مطرز بأيدي أهلها تختلط فيه الألوان .جلجلي وأبو ميتين والجنة والنار والمحير وأبو سبعين و أبو سفرتية  
هي سيرة أهل الجنوب نكبتهم وضياع فلسطين منهم شتاتهم وغربتهم 
هي عدد المرات التي لجأ فيها الفلسطينيون وضاقت عليهم ديار الأشقاء ، هي سيرة لربعي  المدهون والمجدل توثيق للموت والفرح، للموتى والشهداء، للحلم بالعودة ، هي حكايات أمه وذكرياتها التي التقطها عبر البحار من هاتف تنطق امه لطيفة الكلمة من قلب غزة وقلبها لتقع في قلب ربعي في لندن
بدأ ربعي ما كتب بأسلوب الكتب المقدسة في الكتابة في محاولة لمحاكات الاسطورة الصهيونية بنسج اسطورة فلسطينية تجعل الفلسطيني مسيحياً يرفض الصلب ويقاوم بالحجر والمقلاع
على مقطوعات الجاز قسم ربعي حكايته وحكاية أهل المجدل/عسقلان ،أدخلنا في زحمة التساؤل عن افضل جملة يبدأ بها روايته ورواية شعب فقد وطنه !

المجدل قبل النكبة 

ذكرى وفاة والده خليّل كانت هي السبب الذي أجبر ربعي على كتابة هذه السيرة التوثيقية الرائعة :بداية من نكبة 48 حتى نزوحهم إلى غزة ثم ذهابه إلى مصر للدراسة ثم ترحيله منها إلى عمان ثم حرب (المقاومة) ضد الجيش الأردني ثم رحيله إلى العراق ثم دمشق و محطة النهاية نهاية هذا الجزء بيروت .عن محاولة تدويل غزة ، عن عبدالناصر عن النكسة،عن رفض مبادرة روجرز والملك حسين عن العراق والبعثيين عن الجبهة الشعبية وفتح عن  الثورية بلا عقل
كل ما جاء في هذه السيرة كان توثيقاً لشهادات اناس عرفهم ربعي من 1948 حتى خروجه من غزه ،بعد خروجه من غزه تصبح الحكاية حكاية ربعي ،حكاية كل شاب فلسطيني تربى في مخيم عرف كرت التموين والعوز والبرد ،كل شاب كبر على حلم العودة وذكريات اللاجئين من أهلهم ،فحمل السلاح ،لم يرى غيره سبيلاً للعودة ،ظن ان العرب جميعاً مثله يشتاقون للمجدل وعكا وحيفا ،اسند ظهره اليهم مطمئناً فباعوه في سوق النخاسة بأول مصافحة من الجيران الجدد

الأربعاء، 3 ديسمبر 2014

الحلة :عاصمة السخرية العراقية المرة و ذكرى الساخرين






الحُلّة بضم الحاء وتشديد اللام كما اسماها سينا علي بن اب طالب لجمالها و قربها من الفُرات
الحُلة التي يفصلها الفرات إلى صوبين ويحترف اهلها السخرية تلك السخرية النابعة من العجز والمرارة  يأخذنا  نوفل  عبر حكايات اهلها وجلسات المقاهي وليالي السمر بين نكات الأصدقاء وسطوة السخرية  ،يجول بينا نوفل  بين ازقة و شوارع وجسور الحُلّة الثلاث  وبين الصفحات يذكر نوفل بعض الشخصيات الأدبية والثقافية  مثل عبدالجبار عباس وصالح و  الشاعر الملا محمد علي القصاب والمغني المشهور سعدي الحلّي الذي رغم رحيّله لا زال مادة للنكت العراقيّة  وغيرهم
الحُلة ونهر الفرات يقسمها لصوبين 
يتحدث نوفل الجنابي عن طفولته في الحُلّة ومدرسة العدنانية للبنين وعن مدرسيها وناظرها عن حلة الأكراد وساكنيها عن سينما دار الفرات و مقهى السّنيّة عن استكانة الشاي وكوب العرق المسيّح ونداما شط الفرات بللهجة العراقية الدارجة التي تضيف على الكتاب هوية مستقله لا يخجل نوفل من ذكر بعض المواقف التي تحمل بعض الألفاظ البذيئة فأهل الحلة لا يستحون من استخدامها 
محل علاوي للذهب

صورة لمقهى في الحُلة


يتحدث نوفل عن عزيز السري ذلك المُخبر في المباحث السياسية  الذي دأب على قيادة دراجته فيختبئ  الأطفال ومنهم نوفل  وراء صفوف أشجار الآس الممتدة في المنتزه العام  ليصرخوا بأعلى ما يستطيعون
من راقب الناس ..مات هماً
بعد انقلاب تموز 1968 أصبح ترديد تلك العبارة كافية لنصب المشانق لمن قالها
يتحدث نوفل عن عمته التي ظنت ان كبر سنها سيكون عذراً لطول لسانها فأوغلت في النقد والتهجم على حكام العراق الجدد بين جاراتها ليفاجئ زوجها بتوقف البيك آب الأحمر امام بيته وليطلب المفوض ان تأتي الحجيه معه  اراد الزوج الذهاب معها فنهره المفوض وطلب منه البقاء في البيت واغلاق الباب فرد بالعراقية الدارجة كما كتبها نوفل
(اكَعد بالبيت شسوي؟؟
الحجية لا تشوف ولا تسمع
فأجابه المفوض :بس لسانها أطول منها
عادة الحجيه ليلاً على اقدامها صامتة ليومين متتاليين تتلفت فقط وترفض ان تشرب استكان الشاي المقدس عندها وبعد زمن اخبرت نوفل ماذا فعلوا بها
فقالت :حرموني شرب الجاي (الشاي)
كَعدوني عند الضابط ،هو ساكت وآني ساكته ،ثلاث ..أربع ساعات ،وعلى غفلة صــاح جنه كَارصته حيّة :
جيبولي جاي
عمه وآني ما حاطه بحلكَي شي من عشا البارحة
اجاني استكان الجاي مبوخ (ساخن جداَ) بس حطه الفراش جدامي صاح الضابط:
اشربي
ويا عمه من خوفي كرعته كرعة وحدة (شربته دفعة واحدة )  حسيت جهنم اشتعلت ببلعومي
بس حطيت  الاستكان الفارغ بالماعون صاح الضابط:
جيبولها الثاني!!!

وللناقد العربي الكبير عبدالجبار عباس حكايات كثيرة في هذا الكتاب أهمها حكايته مع سرقة دراجته التي كان يطلق عليها اسم (العراق) ومأزقه مع الفصاحة التي اعتاد ان يستخدمها فكان من حظه المنحوس ان استخدم احداها في الحلة فعلقت الحادثة في ذاكرة الحلاويين لتكون مضرب مثل على رطانة المثقفين  
عندما سرقة (العراق) اي درجته مضى عبدالجبار يندبها فسأله زميله محمود العطية أن كان قد بلغ عن سرقتها فرد عبدالجبار
_ ألمن ابلّغ ؟
فرد محمود بسخرية :الشرطة ،المن تبلّغ ؟ مديرية انحصار التبغ ؟؟!!
ذهب عبدالجبار للمركز ليبلغ عن السرقة فلما سأل عن اوصاف دراجته اسهب في البلاغه وقال
(خضراء اللون أو قل خضراء بحبيبات رمادية ،على مقودها من الجهة اليسرى جرس منبه ذو رنين ناعم يبعث على النعاس )!!
رفع رئيس العرفاء رأسة من الدفتر مستفسراً
عمي .أنت متأكد اللي ضايعلك بايسكل (دراجة)؟!!
الناقد عبدالجبار عباس


تسحب مسبحة الذاكرة فيذكر نوفل مرحلة الثانوية وحماسها الذي دفعه للدخول في تنظيم محظور كان مؤسسيه طلاب الثانوية الغرض منه الإطاحة بحكم البعث ،هدف ظن نوفل ان اتحاد من الطلبة سيحققه  !!

يذكر نوفل اول اجتماع لهم بيم اشجار بستان على طريق النجف  اعترض احدهم على مكان الاجتماع معللا ذلك بأنه مكان مفضوح ولو رأوهم  رجال الأمن لأدركوا انه اجتماع لتنظيم سري واقترح ان يكون الاجتماع القادم في كَقهوة صبري اللي كَبال الأمن  بحجة ان احداً لن يتوقع ان تصل الجراءة بهم لعقد اجتماعاتهم هناك

بعد اسبوع اجتمع الرفاق في مقهى صبري  انتبه احد رجال الأمن لذلك فخرج من المقهى وبعد عشر دقائق حضر اربع رجال ودارت معركة كانت الغلبة فيها لرجال الأمن وسحب فيها شخصين الرئيس وصاحب الاقتراح الألمعي ،خرج الأثنان بعد اربعة ايام من الضرب المركز
اقترب نوفل من صديقه المنكل به وهو واقف امام بسطة الجرائد  وبعبارة ملئها السخرية همس نوفل
الاجتماع الجاي وين ؟؟ على سطح الأمن


الكثير من المواقف والتي تضمنت عبارات ساخرة  ضمنها نوفل كتابه والتي كانت اقرب لسيرة ذاتيه ليس لنوفل فقط بل لأغلب رفاقه من  اهل الحُلّة  كنت اتمنى ان اسردها لكم لتعم البهجة قلوبكم وتضجكوا وتقهقهوا احياناً ولتحبوا شخصيات كصلوحي لطيف بربن وبرهان ونسة وعمّودي وغيرهم ولا تستغربوا لهذه الأسماء فأغلبها اسماء لم تسجل في شهادات ميّلاد اصحابها بل اتتى اما مصادفة او من موقف تعرض له احدى هذه الشخصيات فلأهل الحُلّة عدى عادة السخرية هواية اطلاق الأسماء على الاشخاص او الأماكن او الأحداث  يتفردون فيها عن باقي المناطق المجاورة لهم 

الاثنين، 18 أغسطس 2014

يدا أبي ..لمايرون أولبرغ




"الصامت في الأب ناطق في الأبن ولطالما وجدت في الابن ولطالما وجدتُ في الابن سراً للأب، مكشوف النقاب"                                                   فريدريك نيتشه


هكذا  بدأ  مايرون أولبرغ  سيرة حياته والتي حملت اسم "يدا أبي" والتي تقع في ف 294 صفحة ترجمها الأستاذ  مازن معروف .




 تتناول هذه السيرة حياة عائلة امريكية استثنائية عاشت في بروكلين ، مكونة من لويس وسارة الوالدين الأصمين ،و مايرون  الابن البكر و إيرون الابن الأصغر  المصاب بالصرع.

يتحدث الأب إلى ابنه راوياً له ذكريات الطفولة بلغة الإشارة ،إشارة ابتكرها لويس قبل اقرار اللغة العالمية للإشارة في اميركا سنة 1960 م ، وبشيء يشبه المعجزة يُصبح مايرون حلقة الوصل بين والده و عالم الضجيج  و صديقة الأثير في عالم الصمت المطبق ويدرك مايرون أن لغة اليد غنية جداً من خلال حديث والدهِ بواسطة يديه يقول لويس (لغتي تكمن في يدي ،ذكرياتي كلها في يديَّ، تفكيري كاملاً في يديَّ) ،وهكذا أصبح لويس يُحدث ابنه مايرون عن ذكرياته  وعن اليوم  الذي حصل فيه عن عمل في صحيفة نيويورك واليوم الذي لمح فيه سارة زوجته العزيزة على شواطئ  كوني آيلند  فقرر أن بحزم أن يتزوجهت و عن يوم ولادته والتجربة الاسبوعية التي كان يقيمها مع أهل سارة ليتأكد من أن ابنه صحيح السمع ، فقد كان الجميّع يشكك أن يولد لأبوين اصمين ابن بإمكانه سماع الأصوات ، في كل سبت كانت العائلة تتجمع حاملة القدور و الملاعق امام مهد مايرون الصغير وهو يغفو كالملائكة فتبدأ الايدي في الضرب والقرع ليستيقظ مايرون باكياً بينما والديه واهلهما تتحرك ايديهم فرحاً ببكائه .
اكتشف مايرون مع الوقت خلال سبره لذكريات والدته ووالده عن كم الألم الذين تحملاه وهم يواجهون عالم لا يراهما لأنهما لا يمتلكان صوت ، وايقن مع الوقت أن لغة اليدين اكثر صدقاً من لغة الصوت، كان مايرون المعلق بالإشارة لوالده ان استمعوا لمباراة ملاكمه عبر اثير المذياع ، والمترجم بين والده وبائع الخُضار ، و الراعي لأخيه الصغير إيرون المُصاب بالصرع ، كان والده يذكره دائماً بوضع اصبعية السبابه والوسطى على حافة كتفه ثم يحني كتفه كأنه وهن من ثقلِ ما يكرر هذه الإشارة ليؤكد لمايرون الطفل انه مسؤول وأنه يعتمد عليه ليكون اذنه التي لا تسمع وصوته الذي لا يمتلكه ،يقول مايرون عن أحد تلك المواقف: «أفضل ما علمني أبي إياه هو ألا أخفي شيئاً عنه، أن أنقل إليه العالم السمعي كما هو، دون أي حذف أو إضافة، مهما كلف الأمر. علي الآن أن أخبره بما قال لي الجزار صراحة. أشرت: قال الرجل إنك أخرس، وقد أحسست كأنما هناك فرن يهدر في جسدي ذي الأعوام الستة، متيبساً بتقرّح الجلد. إنها المرة الأولى التي أسمع فيها أحداً يصف أبي بالأخرس»، وعندما أمره الأب أن يوصل شتيمة قاسية للجزار، لم يترجم الابن ذلك، وفهم الأب، وعندما خرجا من المحل قال الأب: «أعرف أنك لم تخبر الجزار بما أمرتك به.. يمكنني معرفة ذلك بالنظر إلى وجهك. لا بأس، أفهم الأمر. كنت محرجاً. ليس عدلاً أعلم، أنا في العالم الأصم، وأنت في عالم حاسة السمع»..
تأخذنا السيرة الذاتية لمايرون وعائلته في رحلة انسانية استثنائية تطوقها المحبة الا مشروطه بين مايرون ووالديه ، ومقدار اعتزازهم به و مقدار نضج مايرون رغم انه تحمل مالا يتحمله طفل صغير  وقدرته على السيطرة على مشاعره السلبية   واسئلته  حول سبب اختيار الرب له دون اطفال العالم ليكون ابن لوالدين اصمين ؟ والنظرة التي كانت سائدة في عشرينات القرن الماضي حول ذوي الاحتياجات الخاصة في اميركا ؟ وبعض المعلومات عن تاريخ اميركا في تلك الحقبة التي توازت مع حدوث الكساد الكبير الذي اجتاح العالم ، لا تخلو السيرة من الروح المرحة التي اتقنها مايرون ، توفي والده عام 1975 م وتوفيت والدته 2001م وإلى أخر يوم في حياته ةالدته كان مايرون موجوداً ليكون صوتها .


يعتبرون مايرون من كُتاب قصص الأطفال المشهورين تحصل على جوائز عدة ، ومن بين مؤلفاته: «التحليق فوق بروكلين»، و«الكلب الطائش ماكغرو»، و«ليمويل الأبله»، و«عامل الطباعة».
مايرون أولبرغ




الاثنين، 14 يوليو 2014

خَبِّرْنا خَبِّرْ عن يـافـا

خَبِّرْنا خَبِّرْ عن يـافـا





بمجرد ان تقرأ عنوان تتخلله كلمة (يافا) تتذكر قسماً لجورج حبش في احدى رسائله " قسماً ببرتقال يافا و ذكريات اللاجئين، سـنُحاسب البائعين لأرضنا والمشترين".وتتذكر أغنية الأخوين الرحباني (أذكر يوماً كنت بيافا) 


كان العنوان الذي ذكرني بجملة الحكيم رواية بعنوان (يافا تعد قهوة الصباح )، الرواية لا تتمتع بعمق في الشخصياتكروايات اليوم ،ولا بالوصف الأدبي ولا البلاغي ولا بتنوع المفردات ،ولكن لها جاذبية ما ، ربما بسبب الفكرة الجديدة التي تطرحها  مقارنة بباقي الروايات الفلسطينية فهي بعيدة كل البعد عن فكرة الحرب والنكبة والتهجير واللجوء ، تحاول الرواية وبكل بساطه أن توثق الحياة اليومية لأهل يافا في 30 و 40 القرن الماضي بشكل عام تضع مقارنة بين عائلة البيك أبو سليم وبين عائلة الناطور أبو إبراهيم ،وكيف تعيش هاتين العائلتين ومدى ارتباطهما بالمحيط ، هي عملية سرد بسيطة ولكن ممتعة ربما لأننا نجهل كيفية معيشة أهل فلسطين قبل التهجير ، يبدأ أنور حامد سؤاله من نحن ؟من يستطيع أن يمدني بمعلومات تساعدني في رسم ملامح تلك المجموعة البشرية التي سكنت يوماً ما تلك القطعة من الأرض المسماة فلسطين والتي تتفن النساء في ارتداء قلادة منحوتة لخارطتها وكأن القلادة أصبحت رمزاً للانتماء ؟


لا أريد أن اعرف من نحن من اغان تراثية حُرفت لتدخل عليها السبطانة ورائحة البارود لا أريد ان اعرف تاريخ فلسطين بدلالة أول رجل يهودي مهجر سبقه الخوف قبل ان تطأ قدمه أرض فلسطين .



من هم شعب يافا  أين ذهبت عائلات حي العجمي والمنشية وارشيد والنزهة والجبلية وهرميش.
 وبدأ أنور رحلة بحثه من خلال صفحته على الفيس بوك طالباً معاونة الأصدقاء للبحث عن أهالي يافا وحيفا و باقي المدن التي كانت يشكلون مجتمعاً راسخاً ذا ملامح واضحه ، وكان له ما أراد حين قرأ رسالة لشاب من الأردن اسمه بهاء يقيم في حي الشميساني بالعاصمة عمان ، كان حفيّد فؤاد أبن البيك أبو سليم  وبطل الرواية مع بهيّة بنت الناطور أبو إبراهيم ، خشبة الأحداث حقول البرتقال وشوارع يافا وبحرها .

صف الكشافة  في المدرسة الأميرية (يافا)


صف النجارة في المدرسة الأميرية (يافا)




سينما الحمرا في شارع جمال باشا بمدينة يا فا سنة 1937



لا تتوقع أيها القارئ أن تعجبك النهاية فالرواية ستغلق فجأة ولا زلت ترغب في أن تستمر ،كأن أنور حامد اضطر لإنهائها على عجل ،ربما أمانة النقل منعته من اضافة بعض الأحداث من مخيلته وربما أراد أن يقول أن هناك ما هو أقسى من التهجير واللجوء وأن الحب المستحيل اقسى !
لم أذق يوماً برتقال يافا ولكنه كما يُقال لا يوجد برتقال كبرتقال يافا الحزين   


موسم قطف البرتقال

الثلاثاء، 8 يوليو 2014

حلوى عاشورة




تعمدت أن اقرأ هذه الرواية قبل رواية قواعد العشق الأربعون لإليف شافاق لا أدري لماذا اختارت إليف اسم (لقيطة إستانبول ) لروايتها رغم أن الرواية لم تكن تتكلم عن آسية وحدها ، تمتلك إليف قدرة عجيبة في إعطاء كل شخصية في الرواية القدر المطلوب لتجعلها محط انتباه القارىء ، الوصف الظاهري ،الحركات التعابير العاطفية لكل شخصية دون أن تخل بتوازن الرواية ودون أن تشتت القارىء ،أول المشاهد الذي يشدك إليها مشهد المطر الذي يهطل في شوارع استانبول ويبلل شعر زليخة الأسود ، ليدخلك بعدها في مشهد الضجيج والحياة الغارق في حب استانبول ،ثم تأخذك الشوارع إلى بيت قازانجي ، بيت ملء بالنساء المتناقضات ،كل واحدة منهم تمتلك قدراً من الجنون ،بانو شكرية فريدة زليخة أم كلثوم وما-الهيفاء وطبعاً آسية ،بعد الفصل الأول والثاني والثالث من الرواية تُدرك أن الفصول معنونة بأسماء مكونة لأكله مشهورة في تركيا وفي الوطن العربي عموماً ،عاشورة وتتسائل لماذا قسمت إليف وعنونتها بمحتويات آكلة ما ؟! أكان السبب أن مصطفى الرجل الوحيد في عائلة قازانجي كان يحبها أم لأن الأكل هو الرابط بين الأتراك والأرمن غير الدم والمجازر ، أم لأن حكاية العاشورة كما في الموروث التركي هو مانتج عندما ركب سيدنا نوح السفينة مع اخيار الناس والحيوانات والطيور وقل الطعام فأمرهم بأن يجلب كلُ ما عنده إلى قدر ليكون الناتج حلوى العاشورة  ،هي رسالة للمودة والألفة والمحبة هكذا أرادت إليف في روايتها أن تجمع قصة آسية التركية  بآرمانوش الأرمنية أن تفتح الباب بين تركيا الحاضر وتركيا الماضي ، أن توصل رسالة كل طرف للأخر وهذا شيء أجزم أنها قد نجحت فيه .
لم تنكر إليف المجازر التي وقعت في حق اللأرمن وكذلك لم تعتذر عنها كتركيّة لأن ذاكرة التاريخ عند الأتراك بجزئين بين دولة عثمانية وما يسمونها حديثاً بتركيا الحديثة فذالك زمان وهذا زمان بالنسبة لهم ، فهي جسدت في شخصية آسية الفتاة التي تركل الماضي بقدميها ولا تبحث عنه ولا تسأل عما يحتويه من أحداث عكس آرمانوش الأرمينية الأصل التي تربت أن التاريخ جزء من الماضي وأنها ككل الأرمن  اصرارهم بالأرتباط بالماضي ليس من أجله او من أجل القضية  بل من أجل انفسهم فهم لا يستطيعون ان يعيشوا الحاضر إلا من خلاله .

سترى أن إليف شافاق في هذا الرواية تأخذك في رحلة تاريخية لا مثيل لها، وتارة أخرى تلعب دور المرشد السياحي لتصف لك استانبول ،وتارة أخرى تجلسك على طاولة لتذيقك أشهى المأكولات ،تغوص بك في حالة التناقض بين الشرق والغرب بين الروح والجسد  .

ستبقى مشاهد عدة راسخة في ذاكرتك بعد ان تتم هذه الرواية ،مشهد المطر وكاسات الشاي والعين الشريرة ، مجادلات مقهى كونديرا ،بانوا والسيد مُرّ،ودبوس الرمانة الذهبية،مشهد رحلة شوشان وعائلتها ،ووصفة وإعداد حلوى عاشورة وستحفظ  القواعد الذهبية لحصافة المرأة الإستانبولية وتلك العبارة التي قرأتها زليخة وعمرها تسعة عشر عاماً لتعود ابنتها لتقرأها وعمرها تسعة عشر عاماً "لا تقل إني بائس فللبؤساء قلوبٌ أيضاً "و هذه الأسطر.

كان يا مكان
كان في قديم الزمان ،في أرض ليست ببعيدة كثيراً ، عندما كان المنخل داخل القشّة، كان الحمار منادي البلدة ، وكان الجمل حلاق البلدة.. كنت أكبر سناً من أبي لذلك كنت أهز مهده عندما كنت أسمع بكاؤه ..عندما كان العالم مقلوباً رأساً على عقب، وكان الزمن دائرة تدور ، لذلك كان المستقبل أقدم من الماضي، وكان الماضي نظيفاً ونقياً مثل حبة بُذرت في الحقل حديثاً.

كان يا مكان ،في قديم الزمان ،كانت مخلوقات الله كثيرة جداً بعدد حبات القمح، وكان الكلام إثماً ، لأنك تستطيع أن تعرف مايجب ألا تتذكره ، وتستطيع أن تتذكر ما يجب ألا تقوله.



الجمعة، 27 يونيو 2014

مدرسة عثمان باشا الساقزلي

وقفنا بزنقة (درغوث باشا ) بحي باب البحر أمام باب مطلي باللون الأخضر وقد بهتت لونه بفعل الازمنة التى مرت عليه ،رغم  ذلك  شدنى للمكان وهج ما ،جذبنى لتناول المقبض والطرق على الباب حتى قبل أن ارفع رأسي لأجد لافته تحمل وصفاً للمبنى، كانت مدرسة "عثمان باشا الساقزلي " أو كما عرفت لاحقاً بعد الجلوس مع روادها بخلوة (الشيخ عمر الجنزوري) أحد علماء ليبيا الكبار.







أسُست هذه المدرسة من قبل الوالي العثماني عثمان باشا عام  1654 م  لغرض لتدريس العلوم الإسلامية في طرابلس بعد تدمير الإسبان وفرسان القديس يوحنا لكافة المرافق الحيوية للمدينة بما في ذلك المدارس الشرعية العتيقة مثل المدرسة المستنصرية التى تأسست على يد" ابن أبي الدنيا " في العصر الحفصي .

وقد حافظت مدرسة عثمان باشا حتى وقت قريب على التعليم الديني وفق نظام الحلقات في مختلف العلوم الإسلامية بشكل منتظم، كما أن المدرسين الذين تعاقبوا على التدريس فيها، كانوا من أهم علماء ليبيا الذين تخرجوا على الرعيل الأول، مما أضفى عليها طابع العراقة.

 ومن أبرز هؤلاء العلماء: محمد كامل بن مصطفى، عمر الجنزوري وعبد السلام البزنطي الذي واصل تدريس الفقه المالكي وعقيدة أهل السنة والجماعة، بالرغم من صغر المدرسة إلا أنها استطاعت أن تحافظ على الموروث العلمي والثقافي الإسلامي لطرابلس، وأن تنقله عبر الأجيال بنكهة طرابلس المغاربية، بكل ما يعنيه ذلك من أصالة تاريخ المدينة وعلو قدر علمائها.

جزء من حي باب البحر في المدينة القديمة حيث تظهر قباب مدرسة عثمان باشا في أسفل الصورة ويبدو جامع درغوث في يمين الصورة (الصورة من عشرينيات القرن العشرين).

عندما طرقنا الباب أملاً في أن يفُتح باب التاريخ لنا ، طرق أستاذ كريم مرة ومرتين وكانت الثالثة فاتحة الخير إذ فُتح الباب أخيرا من قبل  أحد حُراس ورواد هذه المدرسة الباب واستقبلنا وكأنه يعرفنا منذ زمن طويل والجالسون بأخر ساحة المدرسة يمطروننا بعبارات الاستقبال والترحيب ، ولا أجد كلمات لتصف مشاعرى   بمجرد أن وضعت قدمي على عتبة المدرسة .

كان شعوراً بالسكينة والراحة تلفت يميناً لأرى الألواح التي يُخط فيها القرآن بأنامل الصبية الصغار وفي نفس الاتجاه الغرفة التي تحوي رفات الوالي عثمان باشا و أهل بيته وقد تعرضت للنبش والتخريب ، تكفل أخي محمد أحد رواد هذه المدرسة بأخبارنا عن التخريب الذي طال المدرسة وبعض المعلومات عنها في أثناء هذه الزيارة كان هناك شيخ جليّل لم تتمكن ذاكرتي من حفظ اسمه و كان قامة في العلم والمعرفة و المعلومات الغزيرة رغم كبر سنه إلا أن عيناه كانت تُشع بالحياة جلسنا إليه وتحدثنا عن المدرسة وعن الحياة وضحكنا لطرافته .




عندما هممنا بالرحيل عطرنا الرواد ببعض المسك وأنا أسير وظلي أمامي توسع القلب قليلاً ليترك مكان لمدرسة عثمان باشا مكاناً عزيزاً ترحل إليه ذاكرتي كلما نشدت السكينة والصفاء ، وكلنا اردت أن اطرق باب التاريخ بلونه الأخضر المطفي .


هذه التدوينة مهداه إلى الصديق والأخ محمد وإلى رواد مدرسة عثمان باشا الساقزلي 


الأربعاء، 25 يونيو 2014

بورتريه دوستويفسكي

في عام 1872م أوفد (بافل تريتياكوف) صاحب معرض لصور الجاليري الشهير في موسكو ،الرسام الروسي المعروف (فاسيلي بيروف ) ليحصل على صورة زيتية لـ دوستويفسكي رغبة منه في ضمها لمجموعة صور المعرض ، لم يجلس بيروف  كعادة كل الرسامين ليرسم دوستويفسكي مستخدماً الطريقة المُعتادة في رسم البورتريه ، بل  بقي لأسبوع يتردد يومياً على بيت ديستوفسكي ويتبادل مع أطراف الحديث ويحاوره في مسائل وموضوعات جدلية ،لاستفزاز الملكات العقلية لفيدور دوستويفسكي حتى كان له ما أراد واستطاع بذكائه تصيّد تلك النظرة الحزينة الشاردة لـ دوستويفسكي ، أو هكذا  ظن كل من طالع هذه الصورة الزيتية للأديب الروسي العظيم ، نظرة حزينة تفسرها الحياة البائسة التي عاشها ديستوفسكي منذ الصغر وفقده لمن يُحب، أمه ،وأخوه ميخائيل، وابنته البكر صوفيا، وابنه الصغير الكسي ،والمرض ،والديون التي ورث اغلبها من أخيه وجفاء اقربائه ومرض زوجته الأولى ووفاتها ، ودسائس اقرانه من الادباء وتهكمهم عليّه ومرارة السجن و ألم المنفى ، لم يدركوا أن هذه النظرة هي النظرة التي تسبق كل رواية عظيمه له ، كل وصف فني دقيق لحالة إنسانية في رواياته ،تلك النظرة سبقت وصف مشهد الولادة في رواية " الشياطين" وهي نفس النظرة التي سبقت كتابة مشهد حلم راسكولنيكوف حول الحصان القتيل في رواية الجريمة والعقاب .


بورترية فاسيلي بيروف


لم يدرك  أحد أن تلك النظرة التي تصيّدها بيروف هي نظرة الإبداع ، نظرة التأمل ، نظرة الغوص في النفس البشرية ، إلا بعد أن كتبت زوجته  آنا غريغوريفنا في مذكراتها التي تحمل اسم Dostoevsky Reminiscences قصة هذه اللوحة ، وذكرت أنها كانت تلتمس هذه النظرة مراراَ وتكراراً كلما دخلت على زوجها في مكتبه وعبرت عن تلك الحالة بأنها حالة غوص في الذات تصل به لدرجة أنه لا ينتبه لدخولها وخروجها من المكتب مراراً وتكراراً ،ولا يصدق أنه لم ينتبه !
لا يضاهي هذا البورتريه  لديستوفسكي أي لوحة زيتية أخرى إلا صورة نصفية رسمها كرامسكوي  في اليوم الثاني لوفاة ديستوفسكي

قيل عن ديستوفسكي الكثير ، كتب كثيرة تناولت أدبه وحياته ،لكن آنا هي الوحيدة التي أنصفته ،لم تدري آنا وهي تكتب هذه المذكرات ،وهي التي بدأتها باعتراف أنها  لا تملك الموهبة الأدبية اللازمة ، لم تعرف بأنها تؤرخ لفترة مهمة في تاريخ روسيا الأدبي والسياسي  وأن مذكراتها أصبحت تُقرأ كمدخل للاضطلاع بالآدب الروسي من غزارة المعلومات والأسماء المذكورة فيها ، ولم تدرك وهي التي عاشت عمرها حاملة السلاح كما كان يسميها ديستوفسكي ، أنها تكتب رواية بطلها ديستوفسكي الإنسان الأديب !  






سارة علي عبدالنبي 
25/6/2014

السبت، 7 يونيو 2014

أنْ تَــــــرحَل






يتراءى لك المغرب كما صوره ابن جلول في روايته(أنَّ ترحل)  كمجموعة من الشباب يقضون وقتهم على شرفة أحد المقاهي المُطلة على البحر ، يتسامرون ويدخنون الكيّف يضيعون وقتهم في اللعب ويتحسرون على الكيلومترات الاربعة عشر التي تفصلهم عن إسبانيا الحُلم ، والحرية ، والحياة الكريمة وكأني بإسبانيا تنتظر قدومهم !!، تدور أحداث الرواية بين طنجة تلك المدينة المغاربية العصيّة عن المألوف وبرشلونة .
أحد أبطال الرواية  هو عز العرب (عازل) كما يسمونه اصدقائه ،شاب درس القانون وتخرج وبحث عن وظيفة فصدت أمامه الأبواب فقضى ايامه لاعناً لحظه ساعياً للخروج من المغرب مهما كلفه الأمر ، تُعيّله أخته الوحيدة (كنزه ).
 كنزه تعمل في التمريض بمرتب زهيدٍ ، كانت مخطوبه لأبن عمها الذي قضى غرقاً في أحدى رحلات الموت (الهجرة الغير شرعية ) لإسبانيا ،هي ايضاً تُريد الرحيّل عن طنجة وعن الذكريات تُريد أن تولد من جديد.



تفتقد الرواية لعنصر التاريخ ، يبدو إن ابن جلول أراد فقط الكتاب عن الحياة اليومية لشباب المغرب وحلم الهجرة ومأساتها ، وبما أنه يكتب للقراء الفرنسيين فقد كثر في الرواية الايحاءات والصور الجنسيّة ،فصور المغرب كماخور كبير تقطعت فيه أواصر الأخلاق والرادع الديني .على هامش الرواية بحثت عن تاريخ طنجة ولأنني تعودت على أسلوب رضوى عاشور وابراهيم نصرالله وغيرهم في دمج التاريخ بالرواية وشخصياتها أدركت أن طنجة التي يلامس البحر والمحيط احضانها ،هي نفسها التي بدأ منها  أمير المشائين  ابن بطوطة رحلته حول العالم ليقضي 27 عاماً من الترحال يرسم خلالها بورتريه لأرجاء العالم ، ويبدو أن هواء طنجة تشبع بأنفاس ابن بطوطه ليرث ابنائها وابناء المغرب حُب المغامرة والترحال بحثاً عن حياةٍ أفضل .


أربعة عشر كيلومتراً تمثل لهم ثنائية لا بد أن تمر ببالهم وكيف لا ،وكم من صديق لفظته مياه البحر على شاطئ طنجة فحملوه على اكتافهم وواره الثرى ، المسافة بين طنجة و اسبانيا هي الحد الفاصل بين الولادة او الموت ، وخلال إبحارهم والمركب مكتظ بعدد يفوق حمولته والموج محيط بهم من كل جانب  يصبون أنظارهم تارة نوح الأمواج وتارة نحو النوارس ، ويتذكرون تلك الأسطورة التي تقول إن نوارس طنجة هي التي أنبأت نوح عليه السلام وهو في سفينته بأن الأرض قريبة منه ،عندما لمح عليها آثار الطين . ويغمضون اعينهم ويتمنون ان تنطبق الاسطورة على نوارس اسبانيا  علّ الولادة تأتي بسرعة !