الخميس، 6 مارس 2014

نكسة








بعد أحداث رابعة ، ونتيجة لتعرض الشباب الإسلامي للاعتقال والتعذيب ونتيجة لحالة الهرج والتصفيق على جثث الموتى يوم رابعة من إخوة لهم في الوطن ، تعرض الكثير من الشباب الإسلامي لنكسة فكرية و كفروا بما كان البعض من إخوانهم في الوطن ينادوا به من ديمقراطية لشرعية الصندوق لرأي الأخر ، قال لي أحدهم يا ليتنا كنا غير رحماء ولا ديمقراطيين يا ليتنا ملأنا السجون بهم قبل أن ترمى أخواتنا في السجون ، و بعضهم أصبح يقتبس أكثر التفسيرات المتطرفة لما كتب سيد قُطب ، والبعض أصبح يتشدد في أحكامه ويعتبر أن شعب يُغنى لمن يذبح (تسلم الأيادي) ويرى النساء تُساق للسجون ، ومرآة تضع مولودة لها تُقيد يدها في السرير ، وتسمى كتائب عزالدين المقاومة بالمليشيا لا بد كافرة! 


في تلك الأيام ناقشت صديقة ما ،معترضةً على دعمها لما أسميته أنا انقلاب وأسمته هي ثورة ،ونحت بالحديث إلى أني ادعم الأخوان مخطئين كانوا أو مصيبين ، فأجبتها المسألة اكبر من الإخوان وغيرهم ، انتم بما تفعلون تدمرون جيلاً كاملاً بدفعهم دفع إلى التطرف الفكري ، انتم ،الذين تحدثتم عن الديمقراطية و صورتموها على أنها الخلاص لكل شيء ثم انقلبتم عليها ، كمن بنى صنم من التمر وتعبده ثم لما جاع أكله.

صديقتي إلى اليوم كلما حدث حدثٌ في مصر من اعتقال أو قتل للمتظاهرين تُصر أن مُرسي مسئول عن ذلك وهو السجين!!

لا تسبوا صديقتي فتؤذوني

الخميس، 13 فبراير 2014

مُــــــــــدن الخوف !


لوهله يخيل لك أن تقرأ عنوان  يخص رواية يحاول صاحبها مماهات روايات ديستوفيسكي أو  فرانز كافكا بالحديث عن  تجربة العيّش في مُدن مُحاطه بالخوف من أخيّلة تسكن عقول قاطنيها،لتكتشف بعدها أمرين  ، أنه عنوان  لديوان شعر  كُتب عام 2009 لشخص اغتيل في عام 2013 في ليبيا أنه المحامي عبدالسلام المسماري ولتكتشف ايضاً أنه عنوان لفيلم وثائقي قصير عدى الخمسين دقيقة بدقيقتين  انجزهُ بعض الشباب من مدينة بنغازي واقتبسوا عنوان ديوان الشهيد عبدالسلام المسماري تكريماً له،  يحكي هذا الفيلم القصير عن معاناة المدن التي اختار بعضها الوقوف مع  القذافي إبان الثورة الليبية في عام 2011 ، وشعورهم بالنبذ والخوف من الانتقام كردة فعل على خذلانهم لإخوانهم في الوطن ،ورغم قصر مُدة الفيلم المتاح الان مشاهدته وهي فقط ثلاث دقائق إلا أن الفيلم يناقش موضوع مهم جداً يخاف الكثير من السياسيين والنخبة الثقافية وحتى عامة الشعب الحديث والولوج في تفاصيله فما بين الخوف من الوقوع في دائرة الاتهام  بمولاة النظام السابق وبين الخوف من  تهمة معاداة ثورة 17 فبراير يصمت الكثيرون ،إلا أن الأمر حقيقة لا يحتاج لتكبيله بكل هذه المخاوف ،فالحقيقة التي لا نستطيع اخفائها أن بناء الدولة يحتاج لبعض المُصالحة والعفو خصوصاً لأولئك الذين لا حول لهم ولا قوة ولم يكونوا يوماً داخل دائرة القرار السياسي او العسكري في ليبيا،أن يؤدي الخوف بالبعض  إلى التمنع من ذكر لقبه او قبيلته او المدينة التي آتى منها خوفاً من النبذ و الغمز واللمز اللفظي إلى التعنيف الجسدي في بعض الحالات  أمر غير سوي ولا يعطي الثقة المطلوبة بين افراد هذا الشعب للعيش تحت سماء واحدة وفي دولة واحدة .

كنا يوماً موجودين في مطعم بمدينة طرابلس بجوار الفندق الذي ننزل فيه مع صديقة لي ووالدها ، فطلبنا من النادل شيء ما ،فأحضر دفتراً بغلاف أخضر فضحكنا واشرنا  مازحين بعلامة  الهتاف الشهيرة للقذافي وبادرنى النادل بالضحك  ، لنرى شخصين يجلسان  مقابلنا و  ينظران الينا نظرة ملئوها الكره والتقزز يتمتمان  ببعض الكلمات وعند اقترابنا من الخروج قال احدهم " ايجيكم يوم يالطحالب ونصفوكم "  تملكني الخوف وخاصة اننا غريبون في مدينة طرابلس ،في تلك اللحظة تساءلت كيف حال اخوه لنا اخطأوا يوماً في اتخاذ الموقف الصحيح في مكان لا يغفر الخطأ ، يسمعون كل يوم هذه الألفاظ وهذه العبارات ينامون كل يوم والخوف مُحيط بهم حتى اضحى الخوف دينهم وديدنهم !

اضغطوا على عنوان الفيلم لمشاهدته

السبت، 9 نوفمبر 2013

شعبي ما بعد الحرب ..



كنت قد وقعت بالصدفة  على كتابٍ  في مكتبة بشارع العروبة لم ابحث عن اسمها يوماً رغم ترددي الدائم عليّها لرخص كُتبها مقارنة بالمكتبات الثلاث الأخرى في مدينة البيضاء، كان الكتاب سيرة ذاتية لمحمد أسد "الطريق إلى مكة " وخلال مطالعتي للكتاب الذي يتحدث عن سيرة حياة رجل نمساوي ترك بلده ليبحث عن عوالم أخرى  ،وليبحث عن (نفسه) لينتهي به الأمر كمبعوث لباكستان في مقر الأمم المتحدة بنيويورك ،
ظهرت عبارة  "الخواء الرُوحي" والتي جاءت ضمن ما نقل الكاتب عن الفترة التي تلت نهاية الحرب العالمية الأولى والتي أنهكت أوروبا  وأثرها  الشديد على اجيال من الشباب الأوروبي  حيث يقول "كانت العقود الأولى للقرن العشرين تصطدم بالخواء الروحي للأجيال الأوروبية ،كل القيّم الأخلاقية التي اعتنقتها الأمم الأوروبية على مدى قرون عديدة أصبحت هشة متداعيّة تحت وطأة التداعيات المرعبة لما حدث بين عامي 1914 و 1918 وهي السنوات التي استغرقتها الحرب العالمية الأولى ،في الوقت الذي لم تبد فيه أي قيم روحية جديدة في أي أفق ،كانت مشاعر الهشاشة وعدم الإحساس بالأمان متفشية بين الجميع – إحساس داخلي بالكارثة الاجتماعية والفكرية التي أصابت الجميّع " وأردف قائلاً "في مجري التفكك والانحلال العام للقيم الأخلاقية التي كانت راسخة قبل الحرب العالمية ،تحللت كوابح وقيود كثيرة كانت تسود  العلاقة بين الجنسين".
 وأنا اقرأ هذه الكلمات  كان من المستحيل أن ابعد عن تفكيري ما يحدث الآن على أرض الواقع في ليبيا بعد حرب اكتسبت نفس الثورة ورفع الظلم لتواجه آلة عسكرية وفي خضم الصراع ،انشق الشعب بين مؤيد للثورة ورافض لها بحجة المؤامرة والاستعمار، و أدى ذلك من تواجه بين افراد الشعب و سقوط أول القيّم "حرمة الدم بين الأخوة" وبذلك فقدت الثقة المتبادلة بين افراد الشعب أو اصبحت هشة.



 يقول علماء الاجتماع أن الفرد يكتسب شخصيته و يوثق قيمهُ وتبدأ أفكاره ورؤيته للحياة بالنضوج مع بداية مرحلة الشباب  وأن الحروب القاسية تترك صدمة وجرح غائر في أرواح من يشاركون فيّها ،و لا توجد احصائية دقيقة اعتمد عليها لذكر العدد الصحيح من الشباب الليبي الذي شارك في معارك طاحنة على مدى شهور رفع فيها السلاح على أخِ له في بعض الأحيان ، أو جمع أشلاء رفيق  مقاعد الدراسة ودفنه على عجل ،وكيف أن هؤلاء يحتاجون لعلاج نفسي للخروج من حالة الصدمة التي وقعوا فيها  وأن انكروا أنهم واقعون فيها ، ولعل البعض  اصابه القلق الروحي ولم يجد أحداً  من أهل العقل يجيب عن اسئلته حول سقوط بعض القيم الأخلاقية المقدسة فاجتاحت بعضهم تيارات الحادية ولا اقصد هنا الحاد بالدين فقط ولكن بالقيم الإنسانية السامية ككل  ،ستزداد مع الوقت اعداد هؤلاء الملحدين  .

 
في هذه الفترة نلاحظ جميعنا  عدم الاتزان  او معرفة الشعب لترتيب اولوياته لبناء الدولة التخبط واضح من اعلى السلطة  ويمتد إلى القاعدة ،كثرة مبادرات  واقتراحان نثمن جهود القائمين عليها ولكن جميعها تصعد بكرة ثلج هائل منحدر شديد سيأتي يوم تخور قوتنا ونتوقف عن دفعها فتعود لتدهسنا جميعاً ، كذلك نلاحظ التفسخ الأخلاقي في معاملات  وكتابات البعض وكذلك حديثهم  وكأنه اصبح مرادفاً للحرية والتحرر عند الشباب ،عقود من الكبت اطلق مُعتقلوها دون  أساس متين من القيم الأخلاقية ،جعلتنا نسأل ماذا حدث لهذا الشعب ،ماذا حدث للإنسان في هذا الشعب

كُلنا فقدنا شيئاً في هذه الحرب ،شيئاً من توازننا ، من المنطق ،
وكما  يُقال" من الممكن طبعاً  أن تنجو بنفسك من حرب كهذه ..
لكن أن تنجو بإنسانيتك  بعد كل ما يحصل ..
فتلك ستكون المعجزة !

الجمعة، 25 أكتوبر 2013

الطفلة الصغيرة.....أديث بيّاف




الطفلة الصغيرة.....أديث بيّاف 

غلاف لكتاب "بياف، أسطورة فرنسية" صدر عن "دار فايار" للمؤلف روبير بيلوري

أديت بيّاف تحمل في صوتها باريس بشوارعها ومقاهيّها، بحدائِقها وأهازيجها ،صوتها الأنيّق يختزل أناقة باريس ،جسم صغير اسكنه المرض حمل فرنسا إلى العالم
ولدت في 19 من ديسمبر  من 1915 بمستشفى (تينون)،امها ذات جذور مغربية والدها (هو لويس ألفونس جازون)  عارض بهلواني في الشوارع إضافة إلى كونه مسرحي وهو من اصول إيطالية، تُركت اديت بيّاف حديثة السن من قبل والديها وعهد بها إلى جدتها من جهة الام عائشة سيد بن محمد (ذات أصول مغربية من مدينة الصويرة).
..من شارع "لابيغال" سيء الصيت ..ظهرت موهبة بيّاف في الغنّاء  ،ومن ""كاباريه جيرني" في شارع "الايتوال" في باريس يلتقطها لويس لوبلي مالك الكباريّة لتبدأ مسيرتها ويطلق عليها اللقب الذي التصق بها طوال حياتها  ،لموم 'La Môme' أي الطفلة الصغيرة  لقصر قامتها التي لم تتجاوز 142 سنتيمتراً  . بعدها كان هناك منعطف في حياة بيّاف  فقد قُتل لويس لوبلي وكانت من ضمن المشتبه بهم الذي تم توقيفهم .
ظهر في حياة بيّاف  رجل اسمه "جاك بورجا" الذي سيكون له دور مهم في حياة بيّاف ، فقد أصبح مرشد بياف وأستاذها وصديقها المقرّب الذي تَفشي له بكل أسرارها. والذي قرر في أيامه الأخيرة أن يهب جزءاً كبيراً من رسائل اديت بياف الموجهة إليه  إلى  "المكتبة الوطنية"
أديت بيّاف

كان في ذاكرة بيّاف جرح مخفي كبير جعلها تُعاقر الخمر وتغوص في حالة اكتئاب دائمه  وهو وفاة ابنتها مارسيل  صغيرة بفعل التهاب السحايا ،استطاعت بيّاف أن تتجاوز حزنها مؤقتاً بعد تعرفها على الملاكم الفرنسي العالمي "مارسيل سيردان " الذي التقته في أمريكا وعاشت معه قصة حُب اشبه بالخيالية , إلاّ ان وفاته المفاجئة إثر حادث تحطم طائرته القادمة من باريس عندما كان قادما لزيارتها جعلها تصاب بهذيان كبير، تعرضت من بعده لحادث سير أدى إلى كسور في جسدها جعل منها مدمنة على المورفين الذي كان يستخدمه أطبائها لتسكين أوجاعها. 

صورة تجمع مارسيل سيردان وبيّاف 


بعدها أمضت بيّاف حياتها في نكسات وتخبطات وظل حولها فئة محدودة من الأصدقاء  حتى توفت في 11 تشرين الأول 1963 عن عمر يناهز 47 عاماً ،نتيجة أصابتها  بيّاف بتشمع في الكبد وشلل جسدي واكتئاب حاد .

وتعتبر  أغنية " لا لست نادمة على شيء 1960″ ‘Non je ne regrette rien ‘."الفنية و قد لخصت تلك الأغنية نوعاً ما حياة بيّاف البائسة.
  الرابط لأغنية "لا لست نادمة على شيء" من فيلم film La Vie En Rose 2007 بطولة الممثلة ماريون كوتيار

سجلت في ربيع 1963 آخر أغنياتها "رجلٌ من برلين" قبل أن تفارق الحياة وتدفن الى جوار ابنتها في أكتوبر من العام نفسه. ورغم إن الكنيسة الكاثوليكية في باريس قد امتنعت عن إقامة قداسٍ رسمي على وفاتها (بسبب ملاحظاتها على أسلوب حياتها) فقد شهدت باريس واحدةً من أضخم المسيرات الجنائزية في تاريخها وتدفق عشرات الآلاف من مواطنيها الى الشوارع والساحات لتوديع مطربتهم العظيمة.