السبت، 15 أغسطس 2015

رضوى عاشور و (قصيدة الحياة والحب والموت )...



تُعد لوحة "الصرخة "المرسومة بالألوان من أكثر لوحات مونش تعبيرية يلاحظ فيها الأشكال و الألوان و المنحنيات الخاصة به و الغموض و الرمزية التي تعكس الواقع المرير للألم الإنساني و ما يعانيه الإنسان من عزلة في هذا العالم المترامي الأنحاء ، قيل أن مونش  رسمها في يوم تصادف فيه ثوران بركان كراكاتاوا في عام 1883 و الذي سبب غروباً شديداً في مختلف أنحاء أوروبا ، و قيل أيضا ً أنه رسمها في خضم حزنه لدخول أخته "لورا" المصحة النفسية ، كانت تلك اللوحة ضمن مجموعة لوحات رسمها "مونش" أثناء تواجده في برلين تحت اسم "إفريز الحياة" و التي وصفها بنفسه على أنها (قصيدة الحياة و الحب و الموت )
وربما بسبب وصف مونش  الأخير للوحته اختارتها رضوى  لتكون غلاف لسيرتها الذاتية الثانية وأخر كتاباتها ..
اربع وعشرون فصلاً غابت عن بعض الفصول سطور الحكاية  لإن المرض كان أسرع من رضوى ..
يقول مريد وتميم في الغلاف الخلفي للكتاب أنهم نشروا النص كوثيقة ،كما هو بدون تدخل من جانبهما ،مشيرين إلى القارئ :أن بعض الفصول سوف تحتوي على رؤوس أقلام أو عناوين تليها صفحات بيضاء ،ومن بين نصوص رضوى جميعها هذا النص الوحيد الذي رفضت أن تسمح لأسرتها او اصدقائها الاطلاع عليه اثناء كتابته .
خلال قراءتي لسيرتها الثانية والتي تتحدث فيه رضوى عن  محاربتها لمرض خبيث سكن رأسها  ، رجعت بي الذاكرة لأكتوبر من عام 2014 في العاصمة التونسية حين جلست وحيدة أمام الدكتور المعالج ليخبرني شكوكه حول وجود خلايا سرطانية في الغدة الدرقية والتي عانيت منها على عدة سنوات وكانت النتيجة ثلاث عمليات سابقة .
فتح الدكتور المغلف الذي احضرته من معمل التحليل لا زلت اذكر  اظافر يديه المقلمة ، ورغم حديثة الهادئ و تفاؤله  إلا انني في تلك اللحظات تمكنت بصعوبة من ابقاء شلال من الدموع داخل عيناي ،خضت بعدها اسبوعاً من الانتظار  وحيدة رغم  الرفقة ،واسبوعا اخر من التجهيزات لتحديد موعد العملية ودراسة الخيارات .
لا اريد أن اطيل عليكم في الحديث عن نفسي ، ومدى المخاوف التي خبرتها على مدى شهر كامل  ربما لأني رضوى اختصرت ذلك بجملة واحدة في كتابها عندما قالت أسوأ ما في المرض أنه يُرْبِكُ ثقتك بنفسك فيتسرب إليك الخوفُ من أنك لا تصلح, و لن تستطيع .”
في هذه السيرة وفي سابقتها "أثقل من رضوى " تتحدث رضوى وإن كان بطريقة لم نعهدها ، فيها بعض التشتت ،فالمرأة تعلم أن معركتها مع المرض خاسرة .. تدرك ان تأثيرات الجراحة التي أجرتها في امريكا والدنمارك  تفقدها القدرة على الكتابة كما كانت ..
تتحدث خلال "الصرخة" عن الثورة المصرية و تعلن آسفها لنزولها في مظاهرات 30 يونيو ، وتعلن عن رفضها ان تمنح تفويضاً يسمح بإقصاء الأخرين وقتلهم ،،وتشير مرات عدة خلال سردها لإحداث رابعة والنهضة ومحمد محمود واعتقال وقتل شباب الثورة
كنت اشعر بالحزن عندما اتفاجأ بورقات بيضاء بعد احد الفصول ، أشعر في تلك اللحظة كما شعرت سابقاً عند اعلامي بمرضي والذي شفيت منه بوجود فيض من الحكايات والكلمات لم اقولها   
في كل ورقة بيضاء في "الصرخة " اكرر  الموت اختطف رضوى وفي قلبها فيض من الكلمات ..




أحببت رضوى عاشور  منذ اليوم الأول  و الذي اهتدني فيه صديقتي الغالية قصة لها بعنوان (خديجة وسوسن ) أحببتها اكثر عندما اذهلتني في رواية الطنطورية  ثم  ابكتني في رواية (ثلاثية غرناطة ) و (فرج) و(أطياف ) و(سراج )
لا يمكن لأحد أن  يصف رضوى كما وصفها يوماً زوجها الشاعر مريد البرغوثي في صديقة لها  في عام 1987 م  يقول فيّها


على نَوْلِها في مساءِ البلادْ
تحاول رضوى نسيجاً
وفي بالها كلُّ لونٍ بهيجٍ
وفي بالها أُمّةٌ طال فيها الحِدادْ

على نَوْلِها في مساءِ البلادْ
وفي بالها أزرقٌ لهَبِيُّ الحوافِّ
وما يمزج البرتقال الغروبيّ
بالتركواز الكريمِ
وفي بالها وردةٌ تستطيع الكلامَ
عن الأرجوان الجريحِ
وفي بالها أبيضٌ أبيضٌ كحنان الضِّمادْ

على نَوْلِها في مساءِ البلادْ
وفي بالها اللوتسيُّ المبلّلُ بالماءِ
والأخضر الزعتريّ
وصُوفُ الضُّحى يتخلّل قضبان نافذةٍ
في جدار سميكٍ
فيُدْفِئُ تحت الضلوع الفؤادْ

على نَوْلِها في مساءِ البلادْ
وفي بالها السنبُلِيُّ المُعَصْفَرُ
والزعفران الذي قد يجيبكَ لو أنتَ ناديتَهُ
والنخيليُّ وهو يلاعِبُ غيماً يُحاذيهِ
في كفِّها النَّوْلُ، متعبَةً، تمزجُ
الخيطَ بالخيْطِ واللونَ باللونِ
تَرضى وتستاءُ
لكنها في مساءِ البلادْ
تُريدُ نسيجاً لهذا العراء الفسيحِ
وترسمُ سيفاً بكفّ المسيحِ

وجلجلةً مِن عِنادْ


سارة علي عبدالنبي 

السبت، 11 يوليو 2015

الفئران آتية احموا الناس من الطاعون ....




من منا لا يذكر مسلسل "على الدنيا السلام " او كما اشتهر بمسلسل محظوظة ومبروكة بطولة الفنانتين القديرتين حياة الفهد و سعاد عبدالله . و الجملة المشهورة لمعلمة التاريخ فؤاده عبدالعزيز
الفئران آتية احموا الناس من الطاعون ....
أنا التاريخ كله


تدور احداث الرواية  والتي منعت حال صدورها في الكويت  عن خطر الطائفية التي بدأت تنخر جسد النسيج الوطني الكويتي بصفة خاصة حيث يتحدث الراوي للرواية بين فترة الثمانينات في الكويت حتى العام الفين وعشرين !
 اختار سعود السنعوسي عنوانا غريبا للرواية فأسماها  "فئران أمي حصة "  
الفــئران التي طالما ازعجته لأنها تلتهم بيض دجاجات أمي حصة ، رغم ان امي حصة تُصر على ان الفئران غير مسؤولة عن اهمال الدجاجات لبيضها .
أمي حصة التي تجمع حولها الراوي وصادق وفهد  لتبدأ حكايتها بـ "زور ابن الزرزور، اللي عمره ما كذب ولا حلف زور" والتي تنبههم ان الكذب سيوقع السماء على رؤوسهم  التي ان ما رأت حذاء مقلوباً حتى اسرعت لتغيره
والتي تربطها علاقة جميلة من المودة والاحترام مع ام عباس أمي زينب القادمة من بصرة العراق
يسكن الثلاثة في حي السُرة  الذي شهدت مبانيه تصوير مسلسل محظوظة ومبروكة ،حي السُرة الذي حاول الكاتب  ان يشير اليه ككويتِ مُصغر تسكنها عائلات كويتية سنية وشيعية وفلسطينيين وسوريين وباكستانيين ومصريين وهنديين ويمنيين في مودة واحترام ..
شخصيات الرواية هم( ال يعقوب ) أمي حصة الكويتية  والدة فوزية  و  صالح السني  وزوجته عائشة  وولدهما فهد
(ال عباس): امي زينب العراقية ووالدة عباس الشيعي  ،عباس متزوج من فضيلة ولهما ابن اسمه صادق وبنت اسمها حوراء .
الرلوي  (كتكوت )كما تحب فوزية ان تناديه وامه التي تشير اليها امي حصة بالست الناظرة ووالده رجل الاعمال اللاهث وراء جمع الأموال

منذ تفجيرات المقاهي الشعبية في عام 1985  والتي راح ضحيتها زوج امي حصة ، وحتى احتلال العراق يسرد احمد وقائع التغيرات التي حدثت في المجتمع الكويتي وكيف تجذر عن طريق الخطاب الطائفي واحتساب كل منطقة وكل اسم على طائفة معينة وتأثر الكويت بالأحداث التي طالت المنطقة من حرب الخليج الاولى الى حرب تموز الى غزو العراق ، كيف باتت اغاني عبدالكريم عبدالقادر  كأغنية وطن النهار جزء من الذكرى  فقط ، ليقرر الراوي  وفهد وصادق وايوب قريب صادق وضاوي ابن خال الراوي وحوراء وفوزية التي اصابها الضرر بعد وفاة والدتها في غزو العراق للكويت ان ينشؤوا مجموعة تحارب الطائفية وتعتمد على تذكير الكويتيين بهويتهم وتاريخهم واطلقوا عليها (اولاد فؤاده )  ولكن اولاد فؤاده يجدون انفسهم امام طوفان كبير لا قبل لهم بمواجهته يحاولون ولكن دون جدوى فتغرق الكويت في حرب اهلي لا تبقي ولا تذر حتى تمتلء البلاد برائحة عفنه بسبب كثرة الجثث لا الحكومة ولا قوات السلام ولا الدول الجوار يساعدها في تخطي هذه الحرب بل ان الكل يتخلى عنها ، ليرى الراوي  نهاية حلمه في كويت واحد عندما يتشاجر فهد وصادق يسب كل منهما الاخر يصيح احدهم يا رافضي فيشتمه الاخر يا ناصبي  وينهال فهد بحجر ثقيل على صادق ويظن انه قد قتل رفيقه كما ظن نجم سهيل في حكاية امي حصة انه قد قتل رفيقه ففر هارباً من سوء ما فعل فتحول الى نجم في السماء اسموه نجم سهيل ، يموت فهد في مستشفى الجابرية  بعد ان ظن انه قتل صديقه عندما تصدمه سيارة مسرعة  ويضيع صادق فلا يجده الراوي  . لعله يتحول كصديق سهيل شهاباً يزور فهد كل عام  كما تقول امي حصة .
يركض الراوي  يرافقه أيوب في نهاية تحاكي المشهد الأخير من مسلسل محظوظة ومبروكة هربا من دنيا لا امل فيها وهربا من الطوفان



استخد السنعوسي اسلوب السرد من طرف واحد فهو الراوي مجهول الاسم  بالرواية .. تتعرض لصعوبة في اكمال اول عشرة أوراق من الرواية ولكن سرعان ما تبدء في التأقلم مع كيفية السرد في الرواية ،يمتلك سعود السنعوسي قدرة هائلة على جلب الماضي واصباغ الرواية بالحميمية  فهو من احسن من يكتب عن الهوية الكويتية فقد فعلها سابقا في ساق البامبو، في الرواية اقتباسات كثيرة لأغاني عبدالكريم عبدالقادر احببت فيها تلك الاغنية التي يقول فيها  وكأنه يصف ذكريات أحمد في بيت امي حصة 

البيت ذاك البيت .. وسكته سهله
أموت لامريت .. من شوقي لأهله
الله يالأيام
هالبيت وش زينه .. وش زينها سنينه
كنا تحت سقفه .. نسهر ولانغفى
وجونا صافي .. وقلوبنا اصفى
الله يالأيام

تقع الرواية في 437 ورقة  تحصلت على الطبعة الرابعة منها ، وبما اني قرأتها بعد تفجير مسجد الصادق في الكويت فقد استغربت منع الكويت  بيع هذه الروايه رغم انها تقدم نموذجا للرواية التوعوية في تحذر الناس من  تبعات  الانقسام الطائفي على البلاد والعباد 


سارة علي 
11 يوليو 2015


الأربعاء، 13 مايو 2015

الدفتر الكبير ..


إنها الحرب ..
في الحرب يقتُل الناس بعضهم البعض.
عند سماع تلك الجملة في البرمو  المعد لعرض الفيلم المقتبس عن رواية الأديبة الهنغارية أغوتا كريستوف (الدفتر الكبير) يعم بداخلك صمت رهيب !!
هذه رواية لا ينتظر منها  أن تكون ذات تعبيرات أدبية أو وصفاً خيالياً أو مسحة من العاطفة فهي رواية كتبت بلغة جافة من صُلب الواقع ،صادمة حد الوجع ، تطالعها دفعة واحدة نظراً لما تمتاز به من سلاسة في سرد الأحداث .
هي رواية ترتكز الرواية على فلسفة ذكرها أحد التوأمين ابطال هذه الرواية إذ يقول

"على التأليف أن يكون حقيقياً، أي أن يطابق الواقع، ينبغي أن نصف ما هو كائن فعلياً، أن نصف ما نراه، وما نسمعه، وما نفعله،الكلمات التي تصف الأحاسيس تظل مبهمة، الأحرى إذن الإعراض عنها، والإنصراف إلى وصف الأشياء، ووصف الآدميين "..

غلاف الرواية 


تسلط الرواية الضوء على قضية اجتماعيّة مهمة  وهي  الحرب وتأثيراتها على المجتمعات عامة وعلى الأطفال بشكل خاص ، كيف تؤدي الحروب إلى غياب الضمير وارتفاع نزعة الإجرام والاستغلال والعنف
صممت اغوتا على سرد  احداث هذه الرواية بدون ذكر اسماء فكل منهم يحمل صفة ما ، التوأمان الجدة المشعوذة الأسكافي ،الخوري ..ألخ ،لا تشير أغوتا في روايتها أين وقعت الحرب ومن هم المتحاربين ،فهي تريد أن تصل الرسالة للجميّع الحرب أي كانت اسبابها ،تقتل فينا كل ما هو إنساني ..
تبدأ الحكاية عندما تضطر أم التوأمين إلى تركهما مع جدتهما التي فقدت منذ زمن قيمها الإنسانية ، يتعلم الطفلين هناك كيف يتأقلمان مع الجوع والألم والبرد ومنظر الدماء ، هناك في تلك القرية الصغيرة كُل شيء مباح من اجل قطعة خبز او بضع قطعاً من النقود ..
شخصيات الرواية كلها مضطربة مشوهة انتهازية اقنعت نفسها ان الحرب تبيح كل شئ، تشعرك أغوتا منذ الوهلة الأولى أنه لا شيء على ما يرام فهناك ماسوشية وجنس محرم إمعانا في إظهار اضطراب شخصياتها وإحداث صدمة للقارئ لما تخلفه الحروب من أفعال منافية للأخلاق.
هناك إشارات خلال الرواية لما يعرف بالمحرقة التي تعرض لها اليهود ، وعمليات انتقام واسعة بعد انتهاء الحرب ..

العجيب في هذه الرواية أن اغوتا كتبتها بغير لغتها الأم  حيث اضطرت للهجرة من من هنغاريا إلى سويسرا في خضم قمع الاتحاد السوفياتي الثورة المجرية عام 1956 بالدبابات، فعايشت شعور نازحي الحرب وكان عمرها 21 عاماً ومسؤولة عن ابنه بالغه من العمر اربعة أشهر ،عملت خمسة اعوام في مصنع للساعات قررت بعدها ترك العمل والاتجاه لدراسة اللغة الفرنسية  فكانت تكتب هذه الرواية وتتعلم الفرنسية في الوقت نفسه ،لذلك تعرف رواية الدفتر الكبير بأنها الرواية  التي كتبت في الأصل من اجل التدرب لا غير ..


الاثنين، 11 مايو 2015

فدوى طوقان ..شاعرة فلسطين


 الرحلة الأصعب ..فدوى طوقان 


الرحلة الأصعب  عنوان الجزء الثاني للسيرة الذاتية لشاعرة فلسطين فدوى طوقان
استهلت فدوى هذه السيرة بذكرى يوم حزين ومفصلي في تاريخ الصراع العربي الاسرائيلي  ،ذكرى حرب حزيران  واحتلال ما تبقى من أرض فلسطين.
تتحدث فدوى خلال ما يمكن ان يصنف كيوميات عن حياة المثقف الفلسطيني بشكل خاص والشعب بشكل عام ، ونلاحظ أن فدوى تركز على مثقفي الداخل الفلسطيني أي عرب 48 ومقاومتهم المستمرة لمحاولات التغريب الذي تقودها الأجهزة الاسرائيلية  . حيث تذكر كل من محمود درويش وسميح قاسم  وما تعرضا له من تضييق ودورهما في التعريف بالقضية الفلسطينية وإن كانا قد شاركا في أي محفل دولي ضمن البعثة الإسرائيلية .
و تتحدث فدوى بأسها عن دورها  ودور اقرانها من المثقفين في محاولة ايصال الصورة الصحيحة حول القضية الفلسطينية لمثقفي الغرب ، وكيف منع الاحتلال بيع الكتب العربية من المكتبات ومنع نشر قصائد لشعراء المقاومة التي تعد واحده منهم ، وكيف وصل الأمر إلى محاولة منع تداول كلمة فلسطين كمحاولة لوأد القضية الفلسطينية
تضمنت اليوميات شرحاً لأسباب كتابة بعض القصائد كقصيدة (آهات أمام شباك التصاريح ) والتي اتخذت بداياتها في ذهن صاحبتها  عندما أقر الاحتلال الصهيوني متمثلاً في وزير دفاعه موشي ديان نظرية الجسور المفتوحة ليسمح بالتواصل مع الضفة الشرقية وذلك بعد عام من النكبة ،وكانت عملية الحصول على تصاريح للسفر والعبور من خلال جسر "اللنبي- المعروف حاليا باسم جسر الملك حسين " اول الجسور المفتوحة بعد اعادة بنائه من أصعب العمليات وبين زحمة الحشود الهائلة المشتاقة لرؤية الغائبين عنهم منذ عام وبين تعنت وغطرسة جنود الاحتلال كتبت فدوى طوقان قصيدتها التي جاء فيها
وقفتي بالجسرِ أستجدي العبورْ
آه، أستجدي العبورْ
اختناقي ، نَفَسي المقطوعُ محمولٌ على وهج الظهيره
سبعُ ساعاتِ انتظارْ
ما الذي قصَّ جناح الوقت ،
من كسّح أقدام الظهيره ؟
يجلد القيظ جبيني
عرقي يسقط ملْحاً في جفوني
آه ، آلاف العيون
علّقتها اللّهفة الحرَّى مرايا ألمٍ
فوق شباك التصاريح، عناوين
انتظارٍ واصطبار
آه نستجدي العبور
ويدوّي صوت جنديٍّ هجينِ
لطمةً تهوي على وجه الزحام:
(عربُُ، فوضى، كلاب
ارجعوا، لا تقربوا الحاجز، عودوا يا كلاب)
ويد تصفق شباك التصاريح -
تسدّ الدرب في وجه الزحام
آه، إنسانيتي تنزف، قلبي
يقطر المرَّ، دمي سمٌ ونار
(عرب، فوضى، كلاب ..) !
آه، وامعتصماه !
آه يا ثار العشيره
كل ما أملكه اليوم انتظار ...
ما الذي قصَّ جناح الوقت،
من كسّح اقدام الظهيره ؟
يجلد القيظ جبيني
عرقي يسقط ملحاً في جفوني
آه جرحي !
مرَّغ الجلاَّد جرحي في الغام
* * *
ليت للبرَّاق عيناً ..
آه يا ذلّ الإسار !
حنظلاً صرت، مذاقي قاتلٌ
حقدي رهيب، موغل حتى القرار
صخرةٌ قلبي وكبريتٌ وفوَّارةُ نار
ألف "هندٍ" تحت جلدي
جوع حقدي
فاغرٌ فاه، سوى أكبادهم لا
يُشبعُ الجوعَ الذي استوطن جلدي
آه يا حقدي الرهيبَ المستثارْ
قتلوا الحب بأعماقي، أحالوا
في عروقي الدَّم غسليناً وقار !!

وقد تعرضت فدوى لهجمة شرسة من الصحافة الاسرائيلية بسبب هذه القصيدة ولقبت بأكلة الكبد واشار بعض مثقفي اسرائيل ان قصيدتها تدل على مدى كره الفلسطينيين لليهود  مستندة على ابيات جاءت في قصيدتها
جوع حقدي
فاغرٌ فاه، سوى أكبادهم لا
يُشبعُ الجوعَ الذي استوطن جلدي
آه يا حقدي الرهيبَ المستثارْ

إلا ان جواب فدوى  على تساؤلات بعض الصحفيين الإسرائيليين كان حجة عليهم حيث اشارت انها استعارت ابياتها من ابيات  لأحد كبار الشعراء الإسرائيليين  "مناحيم بيالك" عنوانها (أناشيد باركوخبا)  مخاطبا فيها العدو الروماني
لقد جعلتمونا حيوانات مفترسة
وبقساوة وغضب
سوف نشرب من دماءكم
ولا نرحمكم
إذا انتفض كل الشعب
وقام يقول :الانتقام!

ثم تنقلنا فدوى في يومياتها إلى جزء مستضعف وخفي يمثله بعض مثقفي اسرائيل اصحاب الانسانية ، فتذكر فدوى لقائها بعدد كبير مع هؤلاء المثقفين و ماهيّة الأحاديث والنقاشات التي دارت بينهم ، وكم كانت تلك النقاشات مثمرة على الصعيد الشخصي والمعنوي  ..ليبقى الايمان ان هناك بقية من الانسانية في هذا العالم

يحمل الكتاب ايضاً اشارة للقاء فدوى بموشي ديان  ، ولقائها بعد سنوات من الفراق بمحمود درويش  وكم امعنت فدوى في ذكر محاسن شعر محمود ومدى قدرته على تشكيل اللغة واعادة صياغتها
كما  تخللت اليوميات لقاء لفدوى مع جمال عبدالناصر و قصيدة لرثائه بعد موته

في مساء السبت الثاني عشر من شهر ديسمبر عام 2003 ودعت فدوى طوقان الدنيا عن عمر يناهز السادسة والثمانين عاما قضتها مناضلة بكلماتها وأشعارها في سبيل حرية فلسطين، وكُتب على قبرها قصيدتها المشهورة:
 كفاني أموت عليها وأدفن فيها
وتحت ثراها أذوب وأفنى
وأبعث عشباً على أرضها
وأبعث زهرة إليها
تعبث بها كف طفل نمته بلادي
كفاني أظل بحضن بلادي
تراباً،‌ وعشباً‌، وزهرة 



سارة علي عبدالنبي

11مايو 2015

الأحد، 19 أبريل 2015

عشر نساء ...لمارثيلا سيرانو

"عندما تقرأ مارثيلا سيرانو تحدق في عيون كل نساء العالم"
الروائي الإسباني  ارتورو بيريز ريبيرته





تتحدث هذه الرواية عن تسع نساء لكل واحد منهن حكاية  نقط التقائهن عند المرأة العاشرة  وهي معالجتهن النفسية ناتاشا والتي مثلهن لها حكاية تثقل كاهلها، تؤمن ناتاشا أن سرد حكاية كل شخصية امام الأخريات هي أول خطوة للتحرر من هذا الثقل ِ.
لنبدأ بأول النساء (فرانثيسكا) ، مهندسة ومتزوجة لديها ابنتان  حياتها مستقرة ،حملها الثقيل يتمثل في سؤال لم تجد الإجابة عليه ،هل تحبني أمي أم تكرهني ، هل هجرتني لأنها لا تحبني ؟!!
تسرد فرانثيسكا حكايتها أمام باقي النساء محاولة إعادة قراءت حياتها علها تجد إجابة او علها طرحت السؤال الذي ارقها بطريقة خاطئة
(مانيه) اجمل النساء دخلت عالم التمثيل معتمدة على جمالها مضى العمر كبرت وغزا وجهها التجاعيد التفت فأيقنت ان قطار العمر قد سبقها وجعلها وحيدة بلا ولد ولا عائلة ولا رفيق ، السؤال الذي ارقها هل خسرت جوهر الحياة عندما رفضت ان يكون لي ابناء ؟!!
(خوانا) أم عزباء تعمل في محل للتجميل تعتني بوالدتها التي كانت ايضاً اما عزباء ،خوانا لديها ابنة واحدة اسمها سوزي ،الم خوانا هي ابنتها ،التي اصيبت فجأة بالاكتئاب وترغب في الانتحار، يضل سؤال خوانا الذي يؤرقها ماذا لو كان تعاملي معها افضل مما كان ماذا لو كان وضعي المالي افضل من هذا ماذا لو ....؟
(سيمونا) مناظلة يسارية  من عائلة ثرية  ،احبت اوكتافيو واحبها لكن اكتافيو كان مدمناً على الكُرة وهجرته  لأجل ذلك قررت ان تغير حياتها بعد ان بلغت الخمسين  اشترت شقة في مدينة ساحلية  وقضت اغلب ايامها في الكتابة سؤالها هل ستندم يوماً على التخلي على الزوج ؟هل ستشعر بالوحدة
(ليلى) تشيلية المولد فلسطينية الأصل صحافيه ذهبت لفلسطين فتعرضت للإغتصاب من قبل جنود اسرائيلين ،انجبت ابناً اسمته أحمد ، سؤالها الذي يؤرقها هل ستحب احمد يوماً  الذي يمثل نتاج تجربة مؤلمة بالنسبة لها ؟
(لويسا) امرأة من الريف احبت كارلوس العامل والناشط في مجال حقوق العمال ، تزوجته وانجبت ابناءاً منه ، في عهد العسكرتاريه  اعتقلوا كارلوس من بيته ، وانتظرت لويسا 30 عاماً لتعرف مصيره لم تجد اسمه ضمن المعتقلين او المفقودين ،سؤالها الذي يؤرقها اين كارلوس وماذا حدث له ؟
(جوادالوبي) تبلغ 19 عاماً تكتشف انها سحاقية ،تحاول ان تجعل هذا الأمر سراً ولكنها تضطر في اخر المطاف للكشف عن هذه الحقيقة يشعر اهلها بالخزي ،وتشعر هي بنبذ المجتمع ، سؤالها الذي يؤرقها إلى متى ستواجه كل هذه الاشياء قبل ان تنهار؟
(أندريا) ممثلة تلفزيونية شهيرة ..تملك كل شيء لكنها تشعر بغيظ كبير كأنها ترغب في الهروب من حياتها وتاريخها من شهرتها و زواجها ، ترغب في الغيش في مكان صامت لا تسمع فيه الا نفسها ، تحاول اندريا ان تأخذ قسطاً من الراحة في صحراء أتاكاما تكتشف انها تريد الارتباط مع ارض لها تاريخ ،تعيش صراعاً بين مغادرة بلادها او العودة إلى زوجها وبناتها ..ترغب في البدء من جديد ؟
(آنا روسا) شابة كاثولكية متدينة ،تتعرض للتحرش من قبل جدها ، تصارح والدتها فتتجاهلها ،يضل السؤال الذي يؤرقها لماذا لم يدافع عنها احد  هل ما يحدث لها بسبب خطيئة  هل يكرهها الرب ضل السؤال يؤرقها ،
حتى سألت  جدها وهو على فراش الموت بعد وفاة والديها في حادث سير ، لماذا لم تحمني امي عني ؟
فأجابها لأنني فعلت معها الشيء نفسه
(ناتاشا) هي اخر النساء لم تحكي قصتها بل سمحت لصديقتها ان تسردها لباقي النساء ، ناتاشا  معالجة نفسية ولدت في بيلا روسيا لأبوين يهوديين اضطرا للهرب من المحارق النازية الى امريكا الجنوبية ، كان لوالدها رودي علاقة قبل الزواج مع امرأة ارستقراطية اسمها مارلين حملت منه وانجبت بنت اسمتها حنه ، تكتشف ناتاشا هذه الحكاية وعمرها 30 عاماً تقضي حياتها في البحث عن اختها  لتجدها بعد مرور عقود في فيتنام امراة عجوز وضعيفة على حافة الموت ، السؤال الذي يؤرقها ماذا لو لم يحصل أي من ذلك لا حروب ولا فرار من الوطن ؟


الرواية تطرح الكثير من الأسئلة تجمع اغلب النساء الخوف الدائم من الوحدة من ضياع حياتهن دون ان يعشنها بالشكل الصحيح 

جدير بالذكر أن الكاتبة مارثيلا سيرانو ولدت في تشيلي واهتمت بالفنون البصرية ونشرت روايتها الأولي "أحببنا كثيرا عام 1991م ولاقت رواجا وحازت على عدة جوائز، وتعد من أبرز الكاتبات في أمريكا اللاتينية .

الكاتبة التشيلية مارثيلا سيرانو


أما المترجم صالح علماني فهو مترجم فلسطيني، يترجم عن الإسبانية. ولد في مدينة حمص عام 1949، ودرس الأدب الإسباني. أمضى أكثر من ربع قرن في خدمة الأدب اللاتيني ليُعرّف القرّاء العرب على هذا النوع من الأدب، وترجم ما يزيد على مئة عمل عن الإسبانية، وترجم للراوئي غابرييل غارسيا ماركيز العديد من الروايات منها الحب في زمن الكوليرا، قصة موت معلن، ليس لدى الكولونيل من يكاتبه، مئة عام من العزلة، عشت لأروي، ذاكرة غانياتي الحزينات، كما ترجم للراوئي ماريو بارغاس يوساو وللروائية إيزابيل أيندي ولآخرين


السبت، 14 مارس 2015

خرجنا من ضلع جبل ..رواية الخرافة







تبدأ رواية لولوة المنصوري (خرجنا من ضلع جبل ) بهذه  الافتتاحية 
إلى الأرض..
أطيلي السجود..
 ينزعج إبليس

وتنتهي بهذه العبارة: “وسواس الحقيقة.. هو أنت

تمتد هذه الرواية  الفائزة  بالمركز الثاني في جائزة الإمارات للرواية القصيرة (فئة الرواية القصيرة) بين هذين الحدين على نحو 140 صفحة من القطع الصغير.

تمتلء هذه الرواية بالرمزية العميقة التي يصعب فكها من أول قراءة وكيف لا والرواية مبنيه في الاصل على خرافة جبل جيس  حيث تقول الرواية 
حين استدار على ظهر الريح، الولي الموكل بتهريب عرش بلقيس عائداً من اليمن، اندفع بحماسة على رؤوس جبالنا، و انتقى ثغرة من شقوق الوديان ليسرب فيه العرش.في صدر الوادي اعتدل الولي واقفاً واثقاً بصنيع أتقنه، ثبت مجدداً العرش على رأسه، و انبرى منثبقاً مخترقاً عنق الوادي، بدفعة قوية لم يلحظ بها ارتداد أحد أجنحته القصية على وجه الجبل.
كل ما حدث بعد اختفاء تلك الرجفة أن تحرك جبل (جيس) من مكانه، و اضربت الأرض و ماجت في مخاض عسير لسنوات طويلة، تصدع الجانب اليماني من رأس الجبل، فسقطت صخرة عظيمة بحجم هرم صغير، تدحرجت و انعزلت نائمة قريرة عند حافة البحر، فكانت مائلة كجبهة جيس في سجوده الأبدي على ظهر البلدة.

 تمتاز لغة الكاتبة بالأسلوب الشعري  المميز الغني بالصور الفنية ،التي تؤكد على امتلاك لولوه المنصوري لقلم رائع سيبزغ بشكل افضل لو ابتعدت عن الرمزية وسخرته في رواياتها القادمة في قالب اقرب للواقع ، ومحاولة لنقل العادات الشعبية لأهل الإمارات إلى دروب الرواية الأدبية 

من يقرأ هذه الرواية سيتكبد الكثير من العناء بسبب استعمال الاسلوب الرمزي في السرد ولكن سيبتهج لروعة قلم لولوه المنصوري وسيتنبأ لها بمستقبل كبير في الوسط الأدبي 

لولوه أحمد المنصوري كاتبة وصحفية من الإمارات العربية المتحدة من مواليد 1979. حاصلة على بكالوريوس اللغة العربية ودبلوم في الإعلام الأسري. لها عدة روايات منها رواية "آخر نساء لنجة" و كذلك  مجموعتها القصصية "القرية التي تنام في جيبي "والتي فازت بجائزة دبي الثقافية عام 2013.


366 رسالة بــقــلم ..الـمرحوم




بطل هذه الرواية رفض أن يذكر اسمه الحقيقي بين سطور السرد الشجي لمعاناته بل أختار لنفسه
 اسم يمثل نهايته الواقعية في حُب أسماء ..(المرحوم) الذي ساقه القدر لحضور حفل زفاف قريبه عبدالقادر فأصيب بسهام العشق هناك على مقاعد الصالة التي احتضنت العُرس

لم يعرف المرحوم اسمها بل تكهن به وقرر ان يسميها اسماء ولم يدرك يقيناً مسكنها ولكن قرر ايضا ان يتكهن انه في حي البستان 

أستاذ الكيمياء المولع بالتدريس تولع بكيان تلك المرأة التي لم يراها إلا مرة واحدة فقضى لياليه في أرق العشاق يتخيل لحظة الوصال ،ومضى يبحث عنها في كل مكان 

قرر ان يكتب لها كل يوم رسالة بالقلم الأخضر الذي احب ،فكانت 366 عام ويوم ختمها بتوقيع المرحوم 


تمتاز رواية أمير تاج السر بسرد احادي من قبل البطل ،يسهل على القارئ الاستمرار في القراءة دون ملل ، لا شك من ان لغة تاج السر السلسة ومفرداتها الغنية تجعل من متعة القراءة شيء مضاعف 

أمير تاج السر قلم مؤتمن على نقل الأدب السوداني وواقع المجتمع هناك ومطالعته تجربة رائعة         لمن  اراد ان يتعرف على السودان وأهله