الثلاثاء، 14 مايو 2013

عشوائيات تُهدد المستقبل العمراني في ليبيا


هذا ما يمكن ملاحظتهُ وبوضوح لمن يعيش في المدن الليبية هذه الأيام التسارع العمراني الرهيب حيث يستغرق إنجاز المبنى الواحد مدة قصيرة تتراوح بين ثلاثة إلى أربعة أسابيع حتى يُصبح جاهزاً للاستعمال ، لكنّ الحقيقة أن هذه التسارع العمراني لا يخضع لمخططات التطوير العمراني للمدن ولذلك تُصنّف على أنها ( بناء عشوائي ) , ويعتبر غياب أدوات تطبيق القانون في هذه المسألة أحد الأسباب التي أدّت إلى تفاقمها ، أضف إلى ذلك الأسعار المرتفعة للأراضي المقسّمة بغرض البناء داخل المدن ، مع تباطؤ الدولة في تنفيذ أو استكمال بعض المشاريع السكنية التي كانت ستساهم إلى حدّ كبير في حلّ أزمة السكن التي يُعاني منها المواطن الليبي

ويؤثر البناء العشوائي على الدّخل المحدود للمواطن الليبي لاضطراره لصرف مبالغ مالية على سكن لا تتوفر فيه أبسط الشروط الصحية والمواصفات الفنية الضرورية , بدءاً من متطلبات البِنية التحتية كالصّرف الصحي والمياه الصالحة للشرب وإمدادات الكهرباء ، كما لا تنعكس آثار البناء العشوائي على دخل المواطن فقط ، إذ إن البناء العشوائي لا يُقتصر على المِساحاتِ الخالية وغير الصالحة إلا للبناء ، فقد امتد ليطال الغطاء النباتي للبلد , حيث جرى الاعتداء على المساحات الخضراء وجرْفها ، وتفتيت الأراضي الزراعية في مناطق خضراء وزراعية كمنطقة الجبل الأخضر، كما تمّ التعدي على المسطّحات الخضراء والحدائق والميادين والأرصفة في المدن والبلدات الليبية ، والبناء بالقرب من الطرق السريعة والطرق الرئيسة دون الأخذ في الاعتبار المخططات و المعايير الفنية المعتمدة فى تخطيط الطرق ، بالإضافة إلى الاعتداء على المباني والمواقع و المدن الأثرية .

هذا وقد أطلقت وزارة الإسكان والمرافق حملة باسم (مبادرة للتوعية بمخاطر البناء العشوائي ومحاولة للحد من هذه الظاهرة ) فى الحادي والثلاثين من شهر أغسطس من العام 2012 من خلال الفريق الإعلامي التابع للوزارة ، وتهدف هذه الحملة إلى توضيح العقوبات المنصوص عليها والإجراءات المطلوبة والمعتمدة ذات العلاقة بإصدار تراخيص البناء داخل وخارج المخططات , وذلك عن طريق تصميم اللافتات والمشاركة في البرامج المسموعة والمرئية والإعلانات في الصحف الورقية والإلكترونية ، ورغم أن هذه الحملة قد أطلقت منذ نهاية شهر أغسطس إلا أنها لم تحقق شيئا على أرض الواقع ، ولم نلمس أيّ انجاز فعليّ فى توعية وتحذير المواطنين من آثار ومخاطر البناء العشوائي متسارع الوتيرة في بعض المدن الليبية كالبيضاء وشحات وبنغازي
كما حاول نشطاء المجتمع المدنى الليبى العمل “من خلال قطاع المنظمات غير الحكومية ” بإقامة ورش عمل حول هذه المشكلة التي تزايدت خلال مرحلة ما بعد سقوط القذافي ، وقد صدرت بعض التوصيات بهذا الشأن فى ختام احدى ورش العمل التى أقامتها الجمعية الليبية للتخطيط العمراني , وذلك لمعالجة ظاهرة البناء العشوائي حيثُ تضمّنت الآتي :
أولاً: تفعيل وتعزيز دور المؤسسات الحكومية ذات العلاقة بالتخطيط والتطوير العمراني على المستوي المحلي , مثل مصلحة التخطيط العمراني وقطاع المرافق والمشروعات والحرس البلدي والشرطة الزراعية والشرطة السياحية.
ثانياً: إيقاف أعمال البناء المخالفة للمخططات والأعمال التي تتم بدون تراخيص ، وتطبيق القوانين الخاصة بالتطوير العمراني وحماية الآثار والمدن التاريخية والساحات والميادين العامة
ثالثاً: التعجيل بتنفيذ المشروعات القائمة بما يتوافق والتوجهات البيئية المعاصرة والمصلحة العامة وتحديث المخططات وأعمال التهيئة العمرانية المعتمدة وتطوير آليات منح تراخيص البناء بقطاع المرافق.
رابعاً: تعديل القوانين والتشريعات ذات العلاقة بالتخطيط والتطوير العمراني وخاصة فيما يتعلق بالملكية العقارية وتقسيم الأراضي وتسجيلها وإشهارها.
خامساً: تعزيز مشاركة القطاع الخاص والسلطات المحلية بما يكفل المحافظة على المصلحة العامة و التقيد بالمخططات المعتمدة.
سادساً: إلزام المواطنين والمكاتب الهندسية ومكاتب الخدمات ومُحرّري العقود بالكفّ عن إبرام عقود نقل الملكية والقيام بالأعمال الهندسية وأعمال البناء إلا بعد التأكد من سلامة الإجراءات والتحقق من عدم مخالفتها للتشريعات والقوانين والمواصفات الفنية.
سابعاً: على وسائل الإعلام المحلية والوطنية المختلفة التأكد من صحة الإجراءات عند الإعلان عن بيع أو شراء الأراضي والعقارات والدعاية لها.
ثامناً: تكليف فريق متابعة لرصد ظاهرة البناء العشوائي بمختلف أشكالها ، واتخاذ الإجراءات المناسبة بشأنها وذلك بالتنسيق مع الإدارات العامة ومؤسسات المجتمع المدني المَعنيّة بالأمر.
.ولعل هذه التوصيات تُعتبر البداية الصحيحة لمعالجة هذه الظاهرة التي أضرّت كثيراً بالغطاء النباتي من جهة و أدّت إلى ظهور عشوائيات ومباني لا تتوفر فيها الشروط المناسبة للسكن ، وقد يثمر تعاون المؤسسات الحكومية الرسمية والمجتمع المدني والنشطاء فى الحدّ من هذه الظاهرة وإيجاد حلول للمشاكل المترتّبة عليها